عن العروبة والمقاومة والشقاق!

وهيب فياض |

صديقك من صَدَقك لا من صَدَّقك.
ليس من عاقل يراجع تاريخ الكثير من الأحزاب والقوى وحتى الأفراد في لبنان، الا ويتبين له بجلاء ان شريحة كبيرة من هؤلاء كانت قبل نشوء حزب الله، وقبل ان يرث بحكم سوري مبرم، كل نضالات اللبنانيين، المنتمين الى معسكر العروبة، المخلصين لقضية العرب الاولى فلسطين، قد ضحت وجاهدت بالأرواح والدماء والأموال، وبكل سنوات العمر في سبيل قضيتها بوجهيها، الوطني اللبناني والقومي العربي 

هؤلاء جميعا، وخارج نطاق الوكالات الحصرية للمقاومة، هم الأساس والأعمدة، لوجه لبنان القومي العربي المقاوم، وللنضال في سبيل قضايا التحرر في العالم، بوجه هيمنة الغرب، وتغّول رأس افعاه الولايات المتحدة الاميركية المساندة دوما للكيان الغاصب في فلسطيننا المحتلة.

ولئن نسج هذا الزمن تحالفات سياسية بين المقاومة، وبين من هم على طرفي نقيض معها في الأهداف، على قاعدة المصلحة، والوجود الوهمي في المعادلة اللبنانية، فسيبقى التحالف آنيا ومرحليا، وخارج سياق التاريخ. 

ولئن سلمنا جدلا، ان حصر المقاومة بحزب الله اصبح بعد كل ما وصلت اليه من قوة ومنعة وعديد وعتاد، أمراً يمكن التعايش معه من منطلق ان من يقاتل العدو له الحق في كل الدعم ممن نذروا حياتهم للقضية العربية، وان كانوا مغيبين عن المشاركة في التصدي، بالقوة لا بالفعل. 

غير ان التسليم بواقع المقاومة شيء، والتماهي معها أينما اتجهت وكيفما اختطت طريقها شئ اخر، فإذا اتفقنا على الأهداف فهل يعني ذلك حكما اننا متفقون على الوسائل. 
ولئن كان هناك تسليم بالموقف الاستراتيجي فليس ما يمنع الاختلاف حول التكتيكات. 

ولئن كانت البيئة الشيعية هي الحاضن الأكبر للمقاومة، أليس من المفروض ان تتوسع الى خارج هذه البيئة على قاعدة الصدق لا المصلحة، لتكون درعا وطنيا غير طائفي ولا مذهبي. 
اذا كان الدين عند المقاومة هو عامود الوسط لاستقطاب الجمهور سياسيا وعسكريا، فهل للمقاومة مصلحة في استعداء من كانت وطنيتهم وعروبتهم هي دافعهم للوقوف معها، ام ان حاضنتها ينبغي ان تكون متنوعة الدوافع. 

ان مقاومة الاحتلال الصهيوني بالسلاح، كما مقاومته بالسياسة، شرف لا ننكره على المقاومة الاسلامية، فهل لها الحق ان تنكره علينا. وهل اصبح العداء بين العرب والصهاينة بشكل مطلق، عداء بين الصهيونية والإسلام، ام ان فيه حيزا للعداء بين الصهيونية والعروبيين، سواء كانوا مسلمين او غير مسلمين. 

ثم من قال ان الحصول على الدعم المادي والمعنوي والحربي ممنوع اذا جاء من إيران، ولكن هل يقبل الجميع ان ترتهن المقاومة لولاية الفقيه، ويصبح من يعارض ذلك من المارقين. 
واذا كان بين اللبنانيين من يعارض في السياسة، دكتاتورية النظام السوري ووحشيته، فهل يصبح خائنا للقضية ومتا?مرا عليها، ام ان التنوع ضمن الوحدة حصانة وضمانة. واخيرا وليس آخرا هل ان التسليم بمقام مرشد الجمهورية الذي يقرر كيف ومتى ولماذا، هو شرط للتفاهم والتعاون بين المقاومة وبقية الشرائح. 

ان التماهي مع المقاومة، والانصهار فيها، مستحيل في ظل الاختلاف على الوسائل، ولو تطابقت الأهداف، ولكن هناك الكثير من نقاط الالتقاء للعمل الجبهوي المحصن بالقدرة على الاختلاف، فإدارة شؤون الوطن لم تعد تحتمل انحصار مجموعة السيطرة والقيادة في طرف واحد، ولكنها بحاجة الى مشاركة حقيقية لا يحكمها الخوف من القوة ولا العداء للمقاومة، ولا المواقف المسبقة من اي طرف تجاه الاخر . 

تعددية لا تقود الى الشقاق واختلاف لا يقود الى خلاف، هما المخرج الحقيقي من عنق الزجاجة في بلد مأزوم سياسيا واقتصاديا وماليا واجتماعياً. 

ولئن كنّا لا ننكر على حزب الله مرونته السياسية الا اننا أيضا لا نراها مرونة بالقدر الكافي والمطلوب لبناء وطن مزعزع كيانه ومعرّض للسقوط اذا انهار عامود واحد من أعمدته. 
فلنخرج جميعا من الاصطفافات الحادة، ولنعلم جميعا ان خلافنا على ما هو خارج الوطن، لن يبقي لنا وطنا. 

وختاما صديقك من صَدَقَك لا من صَدَّقك وللبحث صلة.