عيد البشارة... والرسالة الضائعة

25 آذار 2021 14:35:00 - آخر تحديث: 25 آذار 2021 14:36:26

عندما أصدرت الحكومة اللبنانية قراراً بتبنّي عيد البشارة وطنياً ورسمياً، استندت في قرارها إلى وجود قواسم مشتركة تجعل هذا العيد خاصاً بالمسيحيّين والمسلمين معاً. (وهي فعلت ذلك) لأن لبنان ذو مجتمعٍ متعدّد الطوائف، وبحاجةٍ دائمةٍ إلى البحث عن قواسم ومساحات تلاقٍ لتعزيز العلاقات بين المذاهب المختلفة، انطلاقاً من العادات والتقاليد المشتركة، والتعاليم الدينية.

 فالمسلمون كما المسيحيّون ينظرون إلى مريم العذراء نظرة قداسةٍ وإجلال. وتكمن خصّوصيتها في الإسلام  باعتبارها أفضل نساء العالمين، وأنّ الله قد اصطفاها وطهّرها، إلى وجود سورةٍ في القرآن باسمها في الآية 45 من سورة آل عمران، "إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ". وكذلك المسيحية تعتبرها الممتلئة نعمة. 

وورد في إنجيل لوقا أن الملاك جبريل جاء إلى مريم وقال لها، "سلامٌ لك أيتها المنعم عليها. الرب معك، مباركةٌ أنتِ في النساء". فهذا الإيمان المشترك بقداستها هو بمثابة جسرٍ يعزّز العيش المشترك والموّدة بين الطرفين.

وهو ما استند عليه سابقاً البابا يوحنا بولس الثاني في طرحه شعار "لبنان أكبر من وطن. إنّه رسالة"، منطلقاً من مبدأ إيماني، وحسن نية، بحثاً عن مدخلٍ للخروج من الحروب الداخلية (أسماها الراحل غسان تويني حرب الآخرين على أرضنا)، وولوج بوابة السلم الأهلي، وفكّ الارتباط بالخارج. وهي التي شكّلت يومذاك القاعدة والأساس للوجود والاستمرار، وإن كانت الرسالة في حد ذاتها إنسانية واحتراماً للكرامة البشرية، وتالياً الحرية، والعيش المشترك، واحترام التعدّد الديني، والمذهبي، والعنصري وحقوق الجماعات، وأكثر من ذلك، مساراً روحياً إنسانياً واجتماعياً، ينطلقُ من محبة الله كأعظم مقامات العبادة. فسلام العقول والنفوس هو هبةٌ من الله وثمرة الجهاد الروحي، علّ السلام الحقيقي يتدفق وفق القاعدة التي نادى بها السيّد المسيح (ع) "السلام أَستودعكم، وسلامي أُعطيكم"، وصولاً إلى الحوارِ الجامع المبني على الكرامة الإنسانية، في قوله تعالى، "وَلَقَـدْ كَرَّمْـنا بـَني آدَمَ".

 وكان يتطلع بابا الفاتيكان، من خلال الرسالة، إلى اعتبار القادة الدينيون، كما الزمنيّون، لها دعوةً لأن يكونوا شركاء حوار حقيقيّين، والعمل في بناء وصناعة السلام، ساعين إلى الوحدة، وفتح دروب الحوار.

  فعندما يتجرّد لبنان من رسالته، ماذا يبقى له؟ ومن دون هذه القيَم الإنسانية، إلى ما يتحوّل؟ وماذا إذا أصبح بنظر العالم كله لبناناً مختلفاً كانوا يرونه رصيداً أخلاقياً ومعنوياً، يرعاه ويحميه ويدافع عنه الجميع، وبات عبئاً نخره مرضٌ انحلالي، ما يجعلهم أمام التخلي عنه؟! وبمعزلٍ عن نظرة العالم لوطننا، وأكثر من كل ذلك، أفلا يصبح بلدنا على محكّ سحب الثقة من رسولٍ خسر تطلعاته عندما أثبت قادة هذا الوطن أنّهم ليسوا في مستوى الرسالة المؤتمنين عليها حصراً، إن لم نقل ثبوت عدم إيمانهم أساساً بهكذا رسالة، وأنّ تعاملهم معها كان مجرد استغلال؟!  

إنّ خسائر لبنان لا تعدّ ولا تحصى نتيجة سلوكه الداخلي والخارجي على حدٍ سواء، ولقد أسهمت سياسته العامة والتدميرية بتشويه الرسالة شكلاً ومضموناً، إن لم نقل إنّه باتَ على نقيضٍ منها، وصار بنظر العامّة في وادٍ والرسالة في وادٍ آخر.

وهذا الغرق في الوادي السحيق، حيث تتراكم فوقه شتّى أنواع السلبيات، (يشكّل) دليلاً واضحاً على أنّ ما ذهب إليه فبنفسه وصنعَه بيديه على كافة المستويات، وصولاً إلى التهديم الذاتي، علاوةً عما يرافقه من تصحّرٍ سياسي، وأخلاقي، وتنموي، وصحّي، وثقافي، ونقدي...الخ. (وهذا يقودنا) إلى سؤال، هل لبنان رسالة واقعة، أم ضائعة، أم رسالة بلا رسول إلى أن يحلّ اللّه معجزة. ولا يغيّر   الله بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم.

 وكل عيد بشارة، وما تبقى من وطن، وأنتم بخير!!


*عضو اللقاء الروحي في لبنان

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".