"الطاقة الخضراء" الطريق الجديد إلى النفوذ

24 آذار 2021 13:52:46 - آخر تحديث: 10 أيار 2021 15:04:09

اكتشاف النفط في منطقة الشرق الأوسط في عام 1944 والذي قدر في ذلك الوقت بحوالى 25 مليار برميل، وضع هذه المنطقة والدول المنتجة في قلب المعادلة الجيوسياسية الناشئة وطرح تحديات متعددة للمنتجين والمستهلكين. ولا شك في أن إنشاء منظمة أوبك في العام 1960، قد عزز دور الدول الأعضاء المنتجة للنفط التي تمكنت من السيطرة على مواردها البترولية والتخفيف من هيمنة الشركات النفطية الكبرى المتعددة الجنسيات. كما أن إنشاء المنظمة أتاح لبعض الدول الأعضاء فيها كالمملكة العربية السعودية موقعاً مميزاً في المشهد الجيوسياسي الجديد، وتحولت المملكة ولعقود طويلة نظراً لقدراتها الانتاجية الهائلة والمرونة في التعامل مع تراجع الأسعار، الدولة "المنتجة والمرجحة" لمعادلة أسعار النفط في سوق الطاقة العالمية، كما تحولت المملكة بفعل هذا الدور المؤثر الى قطب رئيسي في المعادلة الإقليمية وتحدياتها الجيوسياسية.

شكل "الوقود الأحفوري" المصدر الأساسي للطاقة منذ الاكتشافات الأولى للنفط واستخراجه، وكان لامتلاك هذا المصدر وحمايته والتحكم بأسعار النفط وتأمين طرق الامدادات الى الأسواق العالمية، من تأثير كبير في القرن العشرين على الصراعات الدولية والإقليمية وعلى توزيع النفوذ في العالم وفي أقاليم الدول المنتجة للنفط. وجاء استئناف الولايات المتحدة الأميركية لاستخراج النفط الصخري في عام 2005 سنداً لقانون سياسة الطاقة، وتحولها من دولة مستوردة الى دولة منتجة، ليطرح تحديات كبرى على منظمة أوبك والدول المنتجة للنفط الأحفوري، لا سيما منها المملكة العربية السعودية التي تأثرت مكانتها كدولة "منتجة ومرجحة" لسعر النفط الخام في سوق النفط العالمية.

ومن الواضح أن هذا الوضع لم يتغير حتى مع المبادرة السعودية بتوسيع الشراكة في أوبك مع عشر دول منتجة بحيث تحولت المنظمة الى اوبك+. وبغض النظر عن الصراعات القائمة بين الدول الأعضاء في اوبك+ حول حصص الانتاج والالتزام بها، وعن تأثير جائحة كورونا على الطلب العالمي والتراجع الدراماتيكي لأسعار النفط في عام 2020، يقول خبراء في الطاقة، "بات النفط الصخري الذي يعتمد على سعر "الجدوى الإنتاجية" يؤدي دور "المنتج المرجح"، وبالتالي فقدت منظمة "أوبك" واحداً من أهم الأهداف التي أسست من أجلها وهو الدفاع عن السعر المستهدف في سوق النفط العالمية". كما توقع الخبراء أيضاً تراجع حصة اوبك إلى 25% بسبب خطط الرئيس الأميركي جو بايدن التي تهدف الى استثمار تريليوني دولار في مشروعات الطاقة المتجددة، واشاروا الى أن عودته الى اتفاق المناخ التي تحد من انبعاثات غاز الكربون، ستحد من استخدام البترول في توليد الطاقة. ولا شك في أن قرارت بايدن في وقف منح الامتيازات لاستخراج النفط الصخري سوف تكون لها ايضاً تداعيات على تأثير النفط الصخري في لعبة ترجيح الاسعار وفي دوره في سوق الطاقة العالمية.

تقول الخبيرة الأميركية في شؤون الطاقة آمي مايرز جافيه، "إن التحول العالمي الجاري نحو الطاقة النظيفة وتقليل استخدام النفط في الوقود منذ اتفاق المناخ في باريس، أدى إلى زيادة حصة الطاقة المتجددة، وارتفاع حصة الغاز الطبيعي في استخدامات الطاقة، ومن المتوقع أن يضرب تدريجاً حصة الخامات النفطية في سوق الطاقة العالمية، إذ بات العالم يعتمد أكثر على الغاز الطبيعي والطاقة الشمسية والرياح".

ومن أبرز التحولات الكبرى التي تجري لاستكمال التحول العالمي الى الاقتصاد الأخضر قيام عدد كبير من أهم الاقتصادات في العالم الموقعة على اتفاق باريس للمناخ عام 2015 برسم سياسات تهدف الى تصفير الانبعاثات في حلول عام 2050، وذلك بهدف الحد من ارتفاع درجة حرارة الكوكب لأقل من درجتين مئويتين. ويرى بعض خبراء الطاقة "أن سوق الطاقة المعتمدة على الهيدروجين الأخضر قد تصل قيمتها إلى 12 تريليون دولار بحلول عام 2050... وستشكل الكهرباء في نهاية العقدين القادمين 50 في من سوق الطاقة العالمية".

ولا شك في أن البحث عن الطاقة البديلة في الدول الصناعية، بدأ على خلفية سياسية بعد أزمة البترول عام 1973 واستخدام النفط كسلاح سياسي من قبل المملكة العربية السعودية ودول المنطقة المنتجة، وذلك في مواجهة دور الولايات المتحدة الأميركية المنحاز لإسرائيل وسياساتها العدوانية. وعلى الرغم من التفاهمات التي جرت لاحقاً في تحييد النفط عن مسألة الصراع العربي - الإسرائيلي، كان من الطبيعي أن تشكل أزمة المناخ وارتفاع درجة حرارة الأرض، أحد أهم الدوافع التي عززت السياسات والاستثمارات في الأبحاث العلمية للتحول الى مصادر الطاقة المتجددة كالطاقة الشمسية والرياح الى جانب التوسع باستخدام الغاز الطبيعي.

ويمكن القول، إن التحديات السياسية التي انتجتها الطاقة الخضراء لا تقل أهمية عن التحديات التي انتجها اعتماد الاقتصاد الدولي ولا يزال على تدفق النفط الخام من الدول المنتجة. تحديات الطاقة الخضراء ناجمة عن التحول الى الاقتصاد الأخضر، وعن الدور الذي ستؤديه هذه الطاقة في إعادة توزيع السلطة والنفوذ العالمي في العقدين المقبلين في ظل التراجع المرتقب للنفط في السوق العالمية. لذلك، نرى الصراعات القائمة على الإمساك بموارد أهم حقول الغاز في آسيا والتحكم بخطوط الإمدادات التي تشكل في الوقت الحالي أهم النقاط الساخنة بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية. وفي هذا المجال، رسمت الإدارات الأميركية المتعاقبة سياسات تهدف الى تقليص حصة روسيا من الغاز في السوق الأوروبية، وذلك من خلال التحكم بتوجيه مسار خطوط إمدادات الغاز من آسيا الوسطى وبحر قزوين ومن دول شرق البحر المتوسط باتجاه أوروبا. كما فرضت إدارة ترامب عقوبات على الشركات التي تستثمر في مشروع "نورد ستريم 2"، وهو خط أنابيب لنقل الغاز الروسي مباشرة إلى ألمانيا أسفل بحر البلطيق.

ولا شك في أن التكنولوجيا والتقدم العلمي هما من أهم الأسس التي ستساهم في المشهد الجيوسياسي للنفوذ الجديد بسبب تأثيرهما البالغ في صناعة الطاقة الخضراء التي تعتمد على مصدرين رئيسيين، الطاقة الشمسية والرياح، وبالتالي فإن نسبة امتلاك القدرات التكنولوجية والمواد الأولية لصناعة الألواح الشمسية والمواد المستخدمة في صناعة بطاريات حفظ الطاقة، سوف تحدد ليس فقط نسبة النفوذ على مستوى العالم، بل ستكون أحد العوامل المؤثرة في النظام العالمي الجديد.

من هنا، فإن الولايات المتحدة الأميركية تتهيب التحديات التي تمثلها الصين في مجال التكنولوجيا والمواد الأولية الضرورية للطاقة الخضراء. هذه التحديات تلتقي مع ما تملكه الصين أيضاً من قدرات اقتصادية على مستوى المنافسة العالمية وقدرات عسكرية غيرت موازين القوى في المحيطين الهندي والهادي.

أخيراً، إذا كان النفط الأحفوري قد شكل أحد العوامل الرئيسية في لعبة النفوذ في القرن العشرين، فإن مشهد الطاقة العالمي الذي سيتغير تماماً خلال العقدين القادمين سيؤدي حكماً الى قيام مشهد جيوسياسي جديد تتحدد فيه مستويات النفوذ، والدول التي لا تدرك أهمية الطاقة الخضراء ستواجه عقوداً من التخلف والإنعزال عن الاقتصاد العالمي ولن تتمكن من التموضع في هذا المشهد الجديد. أما مفاتيح التحكم في إعادة توزيع النفوذ والسلطة على المستويين العالمي والإقليمي، فمن الطبيعي أن تكون بمتناول الدولة أو الدول التي تستثمر في التكنولوجيا وتلك التي تمتلك المواد الأولية اللازمة لإنتاج الطاقة النظيفة.

الأسئلة المطروحة: هل تستعد الدول المنتجة للنفط في المنطقة لهذا الاستحقاق الكبير؟ وهل سيتغير الموقف الرسمي لهذه الدول ويبدأ الاستثمار في الطاقة المتجددة؟ وإذا استمر التحفظ على الاستثمار في الطاقة النظيفة، كيف سيكون موقع المنطقة على خريطة النفوذ الجديدة بعد أن تحتل الطاقة الخضراء مكانتها المتوقعة في سوق الطاقة العالمية؟