أهكذا تنفعل يا سعد؟

24 آذار 2021 07:42:42

"الماضي هو أمهر العرافين بالمستقبل" - اللورد بايرون.

يسميها الفرنسيون "العلة"، أو "العقدة"، Deformation professionnelle. أي كل نص يُقرأ من زاوية صاحبه: المحامي من القانون، والشاعر من الشعر، والصحافي من الاسلوب. وقد خامر أهل المهنة مؤخراً شعور بأن "سيناريست" بارعاً دخل على خط  كتابة البيانات الرئاسية في بعبدا. بدل النص المباشر، صار هناك نص ملوّن، ومليء بالتشويق. مشهد "رئيس الوزراء المكلف، يغافل رئيس الجمهورية إذ ادار وجهه لبضعة ثوان، فيستل هاتفه من جيبه (ابل) ويصوّر لائحة وزراء الرئيس. Cut.

في مشهد آخر، أو "مشهدية"، كما في لغة هذه الأيام، نرى ساعي البريد يقرع باب رئيس الوزراء المكلف مساء الأحد، ويسلمه خريطة طريق بالألوان: مربعات "ليغو" ظريفة، سهلة: ركِّب التالي، قبل ان تحضر غداً. Cut. يحضر الرجل ولم يملأ بعد اي مربّع. يسحب "السيناريست" نسخة عن خريطة الأعمدة التي سلّمت ليلة البارحة، مساء الأحد، الى الرئيس المستدعى. تلتهب المخيلة الدرامية فيضيف الى المشهد: "وكان منفعلاً"، أي الرجل الذي استدعي الى بعبدا 18 مرة، لكي يُبلّغ ان رئيس الجمهورية لا يريد ثلثاً معطلاً. لكنه لا يفهم.

من اجمل مشاهد السيناريو، واحد نرى فيه الفكاهي الظريف سمير صالح، تدخل عليه زوجته وهو في حضن عشيقته، أو هي في حضنه، فيهبّ مدافعاً: ما تفهمينيش غلط! فالحقيقة ليست ما ترى. والخطأ مسؤوليتك، لأنك رأيته.

ابدع سيناريو قرأته في حياتي، كان للكاتب مصطفى محرم في فيلم "ريا وسكينة" وفيه تشكو ريا تصرف ضحيتها، تحاول خنقها: "تقولشي قد ايه بتكرهني.عضتني وانا باخنقها".

ضاع لبنان في اللوائح: مربعة ومسطرة وبالالوان. وأضاعنا المفسرون: رئيس الجمهورية يمارس اقوى سلطات الأرض، مستدعياً كل من يشاء، شاكياً من فقر صلاحياته وانعدام حقوق المسيحيين: أهمها واقدسها، أن يصبح قيم الجمهورية اليوم، رئيسها غداً. على الأقل نزولاً عند محبة الناس التي فاضت في انحاء البلاد والشرفات والساحات والشوارع.

بطيء الادراك سعد الحريري. 18 مرة ولم يعرف ان في بعبدا كلمة سر واحدة على القرار الدرامي الشكسبيري: جبران أو لا جبران. يكون او لا كون، ولا كينونة، ولا كيان. لكن سعد الحريري لا يتعلم الدرس. لا يفهم ان خلاصنا الوطني هو في الثلاثية المبتكرة: صمود، مرونة، انتاج! كيف صلابة وكيف مرونة؟

هذا ليس شأنك. سوف نشرحها لك ظهر الأحد المقبل، في الفصل التالي عن فلسفة المشرقية وسائر المشارق. لهذا طلع سفير روسيا الاتحادية الى اللقلوق ومعه دفتر مدرسي مليء مربعات، يستوضح ويسجل. مشهد: الدول الكبرى تتلألأ في اللقلوق.

سعد الحريري له طريق آخر: بعبدا.  18 مرة استدعاه رئيس البلاد، بكل هدوء وانفتاح وهو منفعل؟ سجّل يا جناب الكاتب: شوهد منفعلا، الرئيس المكلف. العام 1970 شهد الأردن حرب "ايلول الاسود" وتدفق الوسطاء على عمان. وكان من اشهرهم آنذاك الباهي الادغم رئيس وزراء تونس ومبعوث بورقيبة، وهو رجل طيب، مائل الى السمنة، وبالتالي الى البطء. يوم يذهب ويوم يعود. وذات يوم طلع الشاعر الشهيد كمال ناصر، بطقطوقة ملأت العالم العربي:

ترلم... ترلم... ترلم. 

قد جاء الباهي الادغم 

ترلم... ترلم... ترلم

قديش الساعة يا عم

بدنا هالفاصل يلتمّ

قد رجع الباهي الادغم

قد عاد الباهي الادغم

قدعاد الباغي الادغم

ترلم... ترلم... ترلم

قديش الساعة يا عم؟

خلال هذا الكرنفال الأسود في البحث عن حكومة، مرّ بنا سفير لبنان في المانيا الدكتور مصطفى اديب، صعد الى قصر بعبدا مرتين. عندما وجد ان الثانية مثل الأولى، اعتذر ومشى، بكل إباء.  وقبل ان يمشي مرّ بالميناء، كما مرّ به سعد الحريري. الزعامات المسيحية كانت منهمكة في البحث عن حقوق 215 قتيلاً و 6 آلاف جريح و 300 الف مشرد. في انحاء المشرق وسائره.
 
طبعاً سعد الحريري غير السفير اديب. ليس في امكانه الخضوع مرة أخرى لإرادة جبران باسيل.

الاسلوب الجديد في الديبلوماسية الروسية هو التغيير، الاصلاح يأتي تلقائياً: يلتقي سيرغي لافروف، سعد الحريري في ابو ظبي، فيقتضي ذلك ايفاد سفير روسيا الاتحادية الى عش النسور في جبال اللقلوق. كل شيء في هذه الدنيا، قابل للتحول. مثل الصغار مثل الكبار، لهم كرملينهم، ولنا كرمليننا. وكرمليننا في لدن الزعيم المسيحي المشرقي، مقره اللقلوق.

لم يبق وسيط محلي، أو عالمي، أو كوني، إلا وتوسط لدى بعبدا واللقلوق، من اجل حكومة تطلبها فرنسا ويطالب بها الكون. مساكين، لا يعرفون معنى الصمود والتصدي. ما رفّ جفن ولا رأت عين. كم مرة حاول تحذيرهم: ما يجربونا. ما خلونا. وما، هذه اسم موصول لا ينتهي وصله ولا وصوله، ما من احد سواي. أنا انطونيو- وانطونيو انا. وما على الشعب العظيم إلا أن يقيس عظمته، ما بين البؤس والتخلف التي تصدرها الأمم المتحدة، عن موزامبيق وزامبيا ولبنان، وما بين مقياس الهمة الروسية الطالعة الى اللقلوق. كل شيء مقلوب ولم يعد من الضروري ان تذهب الى المفوض السامي، بل صار يأتي اليك ولو في اللقلوق. الجهة المواجهة للأرز. اذا انقلب بلد، انقلب بكل ما فيه. الآن صلابة ومرونة، والانتاج على الطريق: حالياً، اعاشة: علبة حليب، ربطة خبز (الرجاء احضار الهوية)، وثلاث بطحات عرق: واحدة صباحاً، كي لا تقشع، وواحدة ظهراً كي لا تسمع، وواحدة على العشاء كي تتمتع باخبار الاستقبالات والسياسة الدولية في اللقلوق.  سفير الكرملين يعوِّد  نفسه على طريق المستقبل الرئاسية. سفير القيصر يغير الادوات البائدات: هو من يخرج من دار المبعوثية الى الناس، وإذا خرج، فليس الى ديار الروم، بل الى سيف النصارى، للبحث في تحالف الاقليات. المشكلة في الانتخابات الحرة، قال يوسف ستالين، انك لا تستطيع ان تضمن نتائجها. مجازفة لا لزوم لها. سعد الحريري يكلّف، لكنه لا يؤلف. الذي يؤلف هو منظّر ظهر الأحد.

لن اختم هذا المقال في هذه الايام الزاهية التي لم نعرف مثلها يوماً، قبل ان اوجه تحية عرفان وشكر وامتنان، الى وزير الاقتصاد الوطني، العاتب على مواطني الطوابير لأنه لم يسمع منهم كلمة "شكراً" مرة واحدة. ما من بينهم احد يقر الجميل، وكل هذه الاغداقات. يوم الربطة بسبعة ارغفة، يوم بستة. يوم مع النايلون، يوم من دون نايلون. ورحم الله سيدة الطرب شريفة فاضل واغنيتها "العتبة قزاز/ والسلم نايلوم نايلوم".  وشر البلية ما يضحك يا معالي الوزير، فكيف شر البلايا؟  ودعني اطلعك منذ الآن على سر آخر: غداً سوف يثبت ان المذنب في انفجار 4 آب هو الميناء. ألم يبنى من اجل ان يودِّع؟