الطبيعة والبيئة في فكر كمال جنبلاط

محمود الأحمدية |

كل من وافق وعرف كمال جنبلاط في الستينات والسبعينات أول ما يلاحظ هيامه وحبّه وشغفه بالطبيعة...

وكان من غرفته المطلة على الوديان والسواقي والأشجار يناجي روعة ما خلقه الخالق وباندهاش كبير يصف وعندما تؤوب الطيور إلى أوكارها كيف أن حفيف الشجر وأصوات الضفادع والترغل وسقسقة المياه وأصوات الطيور على أنواعها ومن ضمنها ألبوم وغيره وبالأسماء، كلها كانت بالنسبة إليه جوقة إبداعية وسمفونية تعزفها الطبيعة وتدعونا إلى التفاعل معها وإلى الحفاظ على توازنها الأزلي وعلى أن كل كائن مهما كان له دوره الفعال حتى تستمر الحياة وأن أخطر ما يواجه هذا التوازن التدخل الغير مدروس والغير متعقل للإنسان في الإساءة إلى التوازن البيئي مما يؤدي في يوم من الأيام أن تتغير الأمور وتتبدل ويصبح الكوكب مهدداً بشكل فعلي حقيقي باستمرارية الحياة فيه...

وعلى اتساع ثقافته الكونية، لم يترك المعلم عالماً إلا واستشهد به وبأقواله التي تصب جميعها في الخوف على كوكب الأرض من مؤلفة كتاب "الربيع الصامت" الأميركية آن كارسون التي آمن بفلسفتها البيئية والتي قدمت للعالم في أوائل السبعينات كتابها الذي هزّ أروقة الحكومة الأميركية وهزّ المجتمع الأميركي بصفحاته التسعين وفيه وباختصار وصف لقرية أميركية جميلة كانت جنة حقيقية وبعد أن دخلتها المواد الكيميائية السامّة تحوّلت إلى قرية مهجورة ليس فقط من الإنسان بل من كل مخلوقات الباري وتحول الأخضر فيها إلى رماد... وعلى أثرها شكّل الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون لجنة على المستوى الحكومي لدراسة الموضوع وكانت البداية التي على أثرها أقيمت المؤتمرات العالمية للبيئة وأولها كان مؤتمر ستوكهولم عام 1972...

كل ذلك عاش في ذاكرة كمال جنبلاط ونبّه بشكل دائم من كل أخطار تلويث البيئة.

والشيء الغريب والرائع في نفس الوقت أنه وفي مجالس كمال جنبلاط الشعبية والخاصة كان دائماً يذكر الحاضرين بادئاً بكلمته الشهيرة "يا عمّي"... يا عمّي حدا منكم بيعرف أضرار تلوث الهواء؟ حدا بيعرف تلويث المياه وآثارها؟ حدا بيعر فشو يعني التصحّر؟ حدا منكم عم ينتبه شو أضرار المبيدات الكيميائية؟ وكان دائماً يقول: قبل المبيدات كانت الطيور تغط على الشجر المثمر وتأكل 15% من التفاح والبرتفال أو الإجاص أو غيره ويبقى الباقي نظيفاً كالجوهر بينما لما بدأنا استعمال المبيدات أصبحت تقتل الحشرات المفيدة والضارة في نفس الوقت وأصبح عند الحشرات مع الأيام مناعة ومنها كان تلوث الأرض والهواء والمياه والينابيع الجوفية؟

باختصار شديد كان يملك المعلم رؤيا كونية قليلون الذين تحلوا بها ومنها أن هذه المبيدات الكيميائية كانت تستعملها المصانع الأميركية والأوروبية لقتل الإنسان في الحرب العالمية الثانية وعندما انتهت الحرب وحفاظاً على حياة واستمرارية هذه المصانع تحولت هذه المبيدات إلى استعمالها في الحقل الزراعي وتحولت إلى قتل الإنسان من جديد ولو بطريقة غير مباشرة...
كل هذا غيض من فيض... ولكنني أحببت في ذكراه الثانية والأربعين أن أستعيد معكم رؤياه الاستقرائية البيئة ومن أجل كوكب بعيد عن أخطار التلوث... وبكل أسف نظرة بسيطة إلى الكوكب بشكل عام ولبنان بشكل خاص نتلمس مدى الرؤيا البيئية والحدس البيئي الذي كان يمتلكه كمال جنبلاط ووصلنا إلى معظم الأخطار التي نبّه كثيراً منها وعمل طوال عمره على حث الناس حب الأرض والطبيعة...

معلمي في ذكراك ذكرى استشهادك أقدم وردة متواضعة عربون وفاء وأذرف دمعتين على واقع الوطن الحالي بكل أبعاده وخاصة الواقع البيئي السائر بقوة إلى الاندثار.


*رئيس جمعية طبيعة بلا حدود