الحســـابات الدقيقـــة

23 آذار 2021 16:21:00 - آخر تحديث: 25 آذار 2021 07:49:23

لم يكن متوقعاً نجاح لقاء الأمس بين الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري. لكن ما لم يكن في الحسبان والتوقّع هو طريقة التعاطي مع الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة بما يمثل ومن يمثل في بلد بالغ الدقة والصعوبة والحساسية، خصوصاً في هذه المرحلة التي تحتاج الى ميزان "جوهرجي" لإدارتها و"ومداراة" حساباتها!! ليس ثمة حكمة في إرسال ملف يحمل عنوان: "حضرة الرئيس السابق للحكومة" وملاحظة "استحسان" لتعبئة اللائحة المرفقة المعروفة!!

الإهانة هنا لم تكن للرئيس المكلف فحسب ولموقعه وصفته التمثيلية أياً يكن هذا الرئيس وأياً تكن إمكاناته وقدراته على إدارة الأمور وهو الذي ارتكب أخطاء كبرى في القرارات والخيارات المصيرية أوصلتنا الى ما نحن عليه. الإهانة وقعت قبل أي شيئ على صاحب المبادرة. على موقع الرئاسة. لأن فيها تجاوزاَ للأصول الدستورية والأدبية في التعاطي مع الآخر، وفي التخاطب أياً تكن مساحات التجاذب معه بعيدة!! وفي تعاون السلطات وتوازنها . فـ "آلة الرئاسة سعة الصدر" كما كان يقول الإمام علي بن ابي طالب. سعة الصدر قوة. وثقة بالنفس. واستيعاب للأمور والأشخاص والحالات التي يعيشها الرئيس المسؤول، الولي، المرجع...

فشل اللقاء وترك وراءه أجواء مشحونة. ولا أحد يدري الى أين يمكن أن تصل الأمور. وخلال ساعات، وبعد انعقاده، صدرت مواقف فرنسية وأميركية وأوروبية وعربية تتحدث عن "إنهيار" لبنان، "وعدم ترك البلد منزلقاً الى ما هو أسوأ"!! وسبق ذلك، وتبعه تحذير من فلتان أمني، ومن معلومات تتحدث عن تحضيرات تؤدي الى توترات ونزاعات تقود الى حرب أهلية مجدداَ بين اللبنانيين!! والحرب لا تحتاج الى أساطيل لإشعالها، يتم إشعالها فيتم توسيع دائرتها وتوفير عدّتها عندما تكون الظروف النفسية والسياسية مهيأة والتعبئة والتحريض قد أخذت مداها!! وهذا ما نحن عليه الآن. 

لماذا حصل ما حصل؟؟ ألدفع الرئيس المكلف الى الاعتذار؟؟ وإذا لم يعتذر وليس ثمة بند دستوري يجبره على ذلك فما العمل؟؟ اليوم استخدمت هذه اللعبة، استخدم هذا الأسلوب. رئيس مكلف لا يعتذر عن القيام بالمهمة. ورئيس جمهورية لا يمكن "عزله" أو "إسقاطه" أو "تغييره" قبل إنتهاء ولايته الدستورية لألف سبب وسبب في ظل تعقيدات الحسابات الطائفية والمذهبية والسياسية!! إذاً كل ما يجري لا أفق له لولوج أبواب الحلول. فلماذا الإقدام عليه؟؟ بل لماذا الإصرار عليه؟؟ لماذا هذا التهوّر؟؟ والبلاد تعيش حال احتقان وقلق على المصير، بعد حرب البيانات ليل أمس، وأمام سقوط الرئاسات والمواقع وليس ثمة شيئ منطقي يبرّر الدوافع!!

من هو هذا العبقري الذي أشار بإرسال ذاك المغلف، المغلّف بكل أشكال قلة المسؤولية وانعدام الرؤيا؟؟ بل من وضع الورقة في داخله؟؟ أو من غيّر الورقة الأصلية؟؟ ما هو موقفه وصلاحياته ودوره؟؟ هل بلغت الأمور حد عدم المراقبة، وحد التلاعب بكل شيء؟؟ أهذا هو مستوى المقام الرئاسي الأول ودوره؟؟  من يدير الأمور؟؟ من يستشير؟؟ ومن هو المستشار؟؟ أين الأمانة في دقة الحساب والقرار؟؟ ماذا يجري في القصر مع الذين حلّوا فيه "مبارح العصر"؟؟ من هو هذا البارع الفارع في العصر الفكري، والعصف الفكري، وقصر النظر، الذي ابتدع، فرفع الاقتراح باسم الدستور "المستباح"؟؟ أين حسن التقدير والتدبير؟؟ أين التلازم بين الإرادة والإدارة؟؟ أين التحسّب لتجنّب التعثّر؟؟ ما قيمة السلطة، أي سلطة؟؟ إذا اكتفينا بالوصول اليها. أهي بحد ذاتها الهدف؟؟ لماذا؟؟ 

شهوة السلطة قاتلة. الحقد مرض قاتل. الغباء مرض قاتل. الولدنة مرض قاتل. والتهوّر مرض قاتل. والكسل مرض قاتل. فكيف إذا اجتمعت كلها في مجموعة من "الأولاد" مزروعة فيها كل أنواع الأحقاد؟؟

وصلنا الى السلطة. سكرنا ومَكرنا وما فَكّرنا. عبثنا وتشبثنا. حقدنا وزدنا. تولينا فتخلّينا. تمايلنا وتحايلنا. أحبطنا وهبطنا. وهذه هي النتائج الكارثية. أما تعبنا وشبعنا بعد؟؟ وماذا بعد؟؟ 

ليس الحديث عن شهوة السلطة وانعدام التوازن والانحراف موجهاً ضد أحد بذاته، لكن "خطيئة" الأمس لا يمكن التقليل من انعكاساتها السلبية الخطيرة. ومع ذلك، لا يجب إقفال الأبواب في ظل "الحصانات الدستورية" و"الصلاحيات الدستورية" التي وجدت لنمارسها بشكل جيد. لنتفاهم لننقذ لبنان. 

وأول المطلوب: الحسابات الدقيقة!! والقراءات الدقيقة لحسابات الدول ولعبة الأمم التي تلوح في بعض جوانبها ملامح القضاء على ما تبقى من لبنان. وهذا ما ينبّه الى خطره الزعيم الوطني وليد جنبلاط. فيطلق "المبادرات الدقيقة" "والمواقف الدقيقة" في اللحظات "الحرجة الدقيقة" ويتجاوز الحسابات الضيقة وهو معرّض للخطأ وإذا أخطأ يعترف بشجاعة أدبية ويتعلم من التجربة. في ذلك كبر، ومسؤولية، وأمانة، وإلتزام أخلاقي وأدبي واستراتيجي ومصيري بما ومن يمثّل!!