الشعوذة السياسية

21 آذار 2021 15:47:26

ما يُقدم عليه وما يعلنه من مواقف ويتخذه من مبادرات لا يقدر عليه ولا يفعله سواه. إنه وليد جنبلاط. هذه ليست شهادتي "المجروحة" بجانب من جوانب شخصية الرجل. هذا ما سمعته من كبار في لبنان – في زمن الكبار – ومن كبار في الخارج. وثمة من يملك إمكانات وقوى أكبر بكثير مما يملكه وليد جنبلاط قال أيضاً أمامي: "لا أملك جرأة الأستاذ وليد". الإقدام ميزة في السياسة. تماماً كما الإحجام. المهم أن تعرف "متى تقدم ومتى تحجم" "متى تتقدم ومتى تتراجع". وهذا ضرب من ضروب الفن في السياسة!!ّ وليد جنبلاط يفاجئ الناس بالمبادرات والمواقف. ويتقن هذا الفن ويمارسه بمتعة. إن بادر الى موقف أو غادر الى موقع فانتظر سيلاً من التحليلات والقراءات والاستنتاجات على مدى أيام تملأ الصفحات والشاشات ويغرق كثيرون في التأويلات والتساؤلات، وهو، هو. وحيث هو. ويتطلع الى ما بعد. إلى الأمام راصداً كل شيء مستعداً لشيئ جديد!! ويذهب كثيرون في خلاصاتهم الى القول: إنه "متقلّب"!! وهنا الخطأ الكبير في التفكير والتقدير والقراءة بعد عقود من الزمن في مواكبة ومتابعة هذا السياسي الاستثنائي الذي يدرك أن لا جمود في الحياة. لا جمود في السياسة. على مسارحها تحولات وتغيّرات وتقلبات وحسابات دول وأمم وقرارات أشخاص أو مؤسسات تغيّر العالم في هذا الإتجاه أو ذاك، تحمل عواصف ورياحاً خطيرة قد تطيح بأنظمة وكيانات واقتصادات، لا يجوز لأي سياسي أن لا يراها بل أن يبقى جامداً أمامها أو أن لا يتقن قراءتها وبالتالي لا يعرف كيف يتعامل معها. ميزة وليد جنبلاط متابعته الجدية. قراءاته التاريخية. تعلّمه من تجارب كبار القادة في التاريخ ومن تاريخه. واقعيته التي لا تعني أبداً تسليماً بالأمر الواقع بل دقة حساب لمواجهة واقع ما ومعادلة ما. براغماتية تقود الى التسوية المبنية على "الحقيقة" والتي لا تكون على حساب المبدأ.

للأسف ومع الاحترام والتقدير لحق كل شخص في التعبير عن رأيه ولعب دوره على مسرح السياسة اللبنانية، لم يعد لدينا "زعماء" "وكبار" "وفنانون" "مبدعون". هنا نكهة وليد جنبلاط وقلة قليلة جداً جداً تجذبك حركتها فترصدها وتتابعها باهتمام.

في الأيام الأخيرة تحدث وليد بك عن التسوية. وبدأت المعزوفة. قال كذا "بناء لطلب فلان"!! ولأن "فلاناً" تحدث ورسم الأطر والحدود وحدّد الأدوار"!! المعنيون بالأمر الذين يشيرون إليهم يعرفون قبل غيرهم ان الرجل ليس كذلك. والقائلون هذا القول يمارسون نوعاً من التضليل الفكري في إطار التحليل النظري!! الخوف من الفتنة والفوضى يا جماعة حكمة. والخوف على الدولة والمؤسسات ونتائج حالة الإنهيار والإهتراء في بنيتها، قمة الحكمة. والتساؤل عن المسؤول دون جواب، شريعة غاب قد نصل الى تحوّلها "غاب بلا شريعة" كما كان يقول المعلم كمال جنبلاط. أليس هذا أمراً مقلقاً مخيفاً مرعباً؟؟ فماذا نفعل؟؟ هل نبقي الأبواب موصدة على الأحقاد والأزمات لتنفجر كلها في لحظة ويقع الانهيار الكبير الأخير والخطير ولا ينفع بعد ذلك ندم؟؟

رئيس الجمهورية دعا وليد بك الى لقاء. ماذا يفعل؟؟ هل يدير ظهره؟؟ لا الأخلاقيات، ولا الأصول، ولا اللياقات تقبل ذلك. فكيف بإبن جنبلاط؟؟ إبن البيت السياسي العريق الواثق بنفسه وبمعرفته وبناسه والمحافظ على هيبة موقفه وكرامة موقعه. يذهب الى اللقاء كما فعل بشجاعة أدبية وصدق في المقاربة والقول. يحاول إحداث ثغرة مخاطباً الناس: "لا تتكلوا على الدول. على السفراء. مع ضرورة النقاش والحوار معهم. لكن لكل واحد منهم موقف وقرار يعبّر عن رؤية دولته ومصالحها، ونحن فعلياً متروكون. والمسؤولية الأولى تقع على عاتقنا". فأين الخطأ في ذلك؟؟ في مراحل الحرب، وكانت الظروف مختلفة عن اليوم بالتأكيد، أخذ الدولار سنوات حتى ارتفع مئات الليرات. خلال أيام في الأسابيع الماضية ارتفع بنسبة آلاف الليرات وبتنا أمام سقف مفتوح . من كان يملك الجواب؟؟ لماذا؟؟ ومن هو المسؤول؟؟ وعندما أعلن عن اجتماع بين الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة ورئيس الجمهورية بدأ سعر الدولار بالهبوط بشكل دراماتيكي. وكتم الرئيس المكلف ما لديه من معلومات فانخفض السعر أكثر. ولو قال ما لديه في تلك اللحظة بعد الاجتماع لكان الدولار اشتعل صعوداً!! ماذا يعني ذلك؟؟ المسألة في السياسة؟؟ مجرد بعض كلام من الرئيس المكلف أدى الى هذه النتيجة فكيف لو شكلت حكومة؟؟ لقد عشنا كل التجارب وهي تقود الى النتائج ذاتها!! الرئيس المكلف ذهب بنية "تخفيف التصادم" كما قال، وأعلن عن اجتماع بعد أيام، سكنت النفوس وعلقت الناس آمالاً على الإيجابية!! فكيف لو شكلت الحكومة ؟؟ بهذا المعنى تأتي حركة ومواقف وليد جنبلاط لأنه يدرك أن البديل عنها، الصدمة والخيبة المدمرتان لآمال الناس ومصالحهم ومستقبلهم. وكان واضحاً في القول: "أنا مع التسوية وأعرف معناها"!! تشكيل الحكومة هو الأولوية ولا بد من تدوير الزوايا. 

مرة جديدة. "ليس في السياسة" جمود" أو "حَرَد" أو "إنعزال" والتسوية يجب ألا تكون على حساب المبدأ بل خطوة في اتجاه الاستعداد والمواجهة من أجل ما نؤمن به "وإعطاء الناس ردحاً من الراحة". ويجب ألا نعدل عنها ولو قامت علينا مؤقتاً ولفترة قصيرة أو طويلة نقمة واعتراض قلة أو كثير من الناس. إن الجماهير في معظم الأحيان هي كالفرد لا تعرف ماذا تريد وماذا يليق بها وماذا ينفعها وهي كثيراً ما تقع فريسة الانتهازيين والمشعوذين"!!

هذا ما قاله كمال جنبلاط بعد تجارب مريرة. وهذا ما يمارسه وليد جنبلاط بعد خبرة "ومعموديات" عسيرة. 

اللهم نجّنا من "الشعوذة السياسية"!! ولبنان في قلب العاصفة الأخطر!