المدرسة الجنبلاطية

16 آذار 2021 14:26:00 - آخر تحديث: 17 آذار 2021 15:39:58

بعد ثورة العام 1958 أجرى المعلم الشهيد كمال جنبلاط مراجعة نقدية ذاتية شجاعة خرج بعدها بما يشبه الدراسة في السياسة "لعبة" و"فناً". وكتب عن الأخطاء التي ارتكبها والعبر التي استخلصها. ومن أبرز الأخطاء: "خطأ تقدير طاقة الشعب". فالشعب يصل الى مرحلة يحتاج فيها الى هدنة ومتنفس. "وحتى البطولة قد يأتي وقت يأنفها الناس ويتحولون عنها كالأولاد الذين يحطمون أصنام لعبهم .."!! يعني أنك لا تستطيع أن "تمارس" بطولتك دائماً. أن تبقى بطلاً دائماً تصول وتجول في الميدان. عندما تثقل الأمور ويتعب الناس وأنت كقائد سياسي يجب أن "تفطن أن المادة البشرية ليست في يدك مطواعة". ومن أبرز العبر، التسوية، التسوية، التسوية القائمة على الحقيقة: "إن حب الحقيقة علمني جمال التسوية". وفي وصفه إلى حال الناس وتضحياتهم وتعبهم وكبريائهم ووفائهم، قال: "كنت لا أتمالك دمعي من الانهمار غزيراً على وجهي في شهودي لما تحار في تفسيره نفوس الضعفاء..." ولذلك التسوية تكون لغايات ثلاث في مفهومنا المبدئي والحزبي: 

-  إما لتأخير التحرك في مواجهة الخصم، وفي رغبة الاستعداد.

-  إما لإراحة الناس ردحاً من الزمن.

-  إما لكسب ما يمكن كسبه واعتباره ردحاً ولو جزئياً بالنسبة للشعب المناضل، في منطق استنساب الظروف للوصول إلى بعض الأهداف!! ويجب ألا تكون التسوية في أي حال على حساب المبدأ!! إنّها في هذا المعني مسؤولية وأمانة لا يفرّط بهما. محطة في طريق النضال على قاعدة الثوابت والمبادئ يقدّر توقيتها ومضمونها القائد الذي "يتقن فنون العرض والإخراج" وإلا يكون" لا يصلح لمهمة السياسة"!!

في هذا المعنى حاول كمال جنبلاط الفنان واللاعب السياسي البارع والشجاع في مقارباته ومواقفه ومبادراته أن يلتقط فرصاً، ويذهب الى تسوية على القواعد المذكورة مقدّراً طاقة الناس وظروف اللعبة وتوازناتها. في الحرب عندما قرر السوريون الدخول إلى لبنان وكان في قمة عليائه وحضوره السياسي القوي، وكان بشير الجميل في بدايات صعوده. وبعد فشل المعلم في إقناع "القادة الكبار العتاق" في عدم السقوط في وهم الرهان على السوريين وأهداف دخولهم وكانوا قد عقدوا الصفقة مع كيسنجر وفوّضوا من قبل الأميركيين وبموافقة اسرائيلية للإمساك بالفلسطينيين وضرب الحركة الوطنية "اليسار الدولي" ليتفرّغ كيسنجر الى إدارة أموره مع مصر، للوصول الى "كامب ديفيد" وليس لإنقاذ فريق لبناني ومساعدته. يومها فكّر المعلم والتقى بشيراً وقال له: "يجب أن تنتبهوا. إذا دخل السوريون اليوم لا أحد يعرف متى يخرجون". كان الهدف تأخير "تحرك في مواجهة الخصم في رغبة الاستعداد" ومحاولة إنقاذ لبنان من ورطة كبيرة  وحفظ "الكيان والأهم" حفظ الدولة "وعدم الدخول في السجن العربي الكبير". موازين القوى لا تسمح بانتصار. إذاً لتكن تسوية. لكن التسوية على قاعدة المبدأ تحتاج الى شريك. الشريك لم يلبّ، وقعت الكارثة التي لا نزال ندفع ثمن نتائجها. وسكر الآخرون. وفرحوا عندما قتل كمال جنبلاط. هذه هي الحقيقة. نقولها للتاريخ في محطات الحقد وقصر النظر. وبدأ مسلسل القتل ولم تتوقف "مطحنته" حتى اليوم !! ولم يعد ينفع ندماً. ولا استخلص المعنيون العبر التي استخلصها كمال جنبلاط ولا اعترفوا بأخطائهم ليتعلموا منها. ولم يدرك أحد من "الأبطال" أنه يأتي وقت يأنف فيه الناس البطولة!!

في مرحلة لاحقة، ورغم أن الجيش اللبناني كان "ضدنا" ويستخدم من قبل السلطة السياسية، جاء أحدهم يسأل كمال جنبلاط "هل ينبغي للضابط أحمد الخطيب أن يترك الجيش"؟؟ قال: كنت أجيبهم دائماً: "كلا. بل الأفضل أن يبقى داخل الجيش. والنضال من داخله أجدى دائماً من النضال من خارجه ومن الأفضل ألا يتفكك الجيش"!!

نعم فضّل أن تبقى المؤسسة الأكبر والأقوى في الدولة متماسكة لا تتفكك لا "تفرط"! وواجه حالات كثيرة مشابهة ورفضها انطلاقاً من هذا المبدأ. والمؤسسة تقف ضده، لكنه فكّر بالدولة وضرورة عدم تحلّلها. وهي يجب أن تكون للجميع وألا يتوقف سعينا لإصلاحها!! لاحقاً فرط الجيش وكانت المشكلة وغرق الجميع في الحرب، في استقطاب قوى وشخصيات منه وفي بناء جيشه!!

والأبرز في تلك المرحلة أنه وبعد بداية التدخل ودخول السوريين واشـــتداد المواجهة معهم ، وقصف قصر بعبدا، ومطالبة كمال جنبلاط باستقالة رئيس الجمهورية الرئيس الراحل سليمان فرنجية، وتكتل جميع "الموارنة" خصوصاً  و"المسيحيين" عموماً حوله ، ورفض هذا المطلب كان دين براون الموفد الأميركي الى لبنان قد بدأ مهمته. يقول المعلم: ".... لقد توصلنا الى أن نشرف على 82 % من الأراضي اللبنانية وعلى كل المدن تقريباً... وظهر عند ذاك فيلق من الجيش السوري فيه مايتا دبابة في المصنع ودخل أراضينا بعد أن دعاه الرئيس فرنجية الذي كان يعاني من ضيق شديد ووضع ميؤوس ... ولقد تذكرت تذكراً لا يخلو من مسحة مزاح وأنا أستقبل السيد براون - الذي بدا متفهماً كثيراً للمشكلة اللبنانية -  مهمة الوزير التركي فؤاد باشا الذي أوفده الباب العالي الى لبنان عام 1860، وأعترف أنني قمت – بالرغم من تطبيل الصحف الخفي والدعاية الوطنية في لبنان – "بمباحثات جيدة مع السيد براون كانت خصبة في نتائجها. ونحن مدينون له لإصغائه بانتباه الى نصائحنا فيما يتعلق بجمع مجلس النواب لتعديل الدستور والإسراع بانتخاب الرئيس الجديد للجمهورية اللبنانية: وكان ثمة فترة زمنية تمتد لأشهر حتى تنتهي الولاية. لا نستطيع إسقاط الرئيس، إذاً لنضمن انتخاب رئيس الآن لنضمن استمرار المؤسسات ، فلا يكون فراغ ولا يكون تحكّم بها من قبل "الداخل" الينا، واللاعبين في "الداخل" عندنا الذين لا يدركون معنى اللعبة السياسية ولم يسمعوا نصائحنا وسيطر عليهم وهم الانتصار بـ"السوري" !! يضيف كمال جنبلاط: "كانت الصاعقة على ما أتذكر وكذلك نواب فرنجية وشمعون يعارضون اجتماع المجلس، هددوا بقصف مكان الاجتماع بالمدفعية الثقيلة وصواريخ غراد. وقد شرع براون بإجراء اتصالات مباشرة مع فرنجية وشمعون فأذعنا .بقيت هناك معارضة الصاعقة (السورية) فكان أن أرسل الرئيس فورد رسالة بهذا المضمون الى الرئيس السوري حافظ الأسد . وقد عقد اجتماع المجلس وأقرّ مشروع تعديل الدستور بأغلبية ساحقة. ثم طالبت كذلك بتدخل مماثل من أجل عقد اجتماع للمجلس يخصص لانتخاب الرئيس الجديد . وعقد الاجتماع وكائناً من كان خليفة الرئيس فرنجية (كان يومها الياس سركيس) فقد أنقذت وحدة الدولة اللبنانية مرتين على الأقل". ذلك أنه لا بد من القول كم أن السوريين كانوا متمسكين برجلهم الرئيس السابق لا بل أنهم غالباً ما كانوا يرددون أمامنا بأنه ربما جدد له"!

العبرة هنا. كمال جنبلاط يطلب انتخاب رئيس جديد. لا يريد التمديد. حتى لو انتخب رئيس لا يريده. المهم إنقاذ الدولة ووحدتها. تجنب التجديد أو الفراغ أو التلاعب بالبلد!! هذا منطق رجل الدولة. منطق الكبير المنتصر على ذاته. المدرك معنى بقاء الكيان وعدم فرط الدولة والمقدّر طاقة الناس. وبهذا المعنى أعود وأقول التسوية المبنية على المبدأ والأهداف النبيلة والمستندة الى تقدير طاقة الناس هي مسؤولية وأمانة !! هذه هي المدرسة الجنبلاطية. التي يديرها اليوم وليد جنبلاط، الذي يذهب الى هذا النوع من التسوية وعلى القواعد ذاتها. والفنان السياسي بل ساحر السياسة واللاعب الأبرز على مسرحها ولا يأبه لتفسيرات من هنا أو هناك لا يدرك أصحابها قواعد وأصول اللعبة واسرارها وخفاياها وحساباتها . والأهم هو تقدير طاقة الناس. 

اليوم، وفي مئوية لبنان الكبير، والخطر عليه، وعلى الدولة، ومع فلتان "الدولار" و "الأسعار"، ومخاطر "الانهيار" الى قعر غير محدد، وفي ظل ظروف وحسابات دولية وإقليمية لا مكان للبنان فيها إلا لاستخدامه من قبل البعض لتصدّر أدوار وممارسة نفوذ "فارغ" من أي مضمون، ولا يفيد اللبنانيين بشيء، ألا ينبغي تقدير "طاقة" الناس على التحمّل، والذهاب الى تسوية وتفاهم وتشكيل حكومة لإنقاذ لبنان ودولته كما كان يفعل  كمال جنبلاط وكما ينادي دائماً وليد جنبلاط ؟؟ 
المشكلة الكبرى أننا أمام "أبطال" وهميين !! مؤمنين أنهم "أبطال" دائمون!! وأن البطولة تطالب بهم لممارستها في كل حين!! وأنهم يمسكون باللحظة التاريخية دائماً، وأن عواصم العالم تحترمهم  وتقدّرهم وتضع إمكاناتها في خدمتهم !! إنهم مجموعة من "مرضى الوهم" و "فاقدي العزم". أصغر بكثير من الأدوار المطلوبة منهم والمسؤولية الملقاة على عاتقهم. قصيرو نظر. ومبدعون في العبثية ومصابون بالبلادة العقلية فلا قدرة لديهم على التخيّل ومستقيلون من التفكير. وفوق كل ذلك مدّعون أنهم رموز " كبار" أبطال لا يقهرون. 

تحية للمعلم الشهيد كمال جنبلاط في ذكرى استشهاده. صاحب التجربة السياسية العميقة وبعد النظر وصفاء الذهن والمنتصر على ذاته لينتصر لبنان ودولته وصاحب مشروع تطويرها لتكون دولة مدنية علمانية ديموقراطية حقيقية.  والتحية للزعيم الحقيقي الوطني الكبير وليد جنبلاط الذي تليق به الزعامة وأكرمها، طبع الحياة السياسية بطابعه الخاص وبرع في ممارسة اللعبة والذي قال له حافظ الأسد ذات يوم وبعد قتل والده: "يبدو يا أخ وليد أن والدك كان على حق". وقال لي وليد بك: "في هذا اليوم وصلني شيء من حقي يا غازي".

نحن نقول سنبقى على هذا الدرب لن نتخلى عن حقنا!!