شكراً فرنسا.. وملاحظات

14 آذار 2021 05:45:00 - آخر تحديث: 17 آذار 2021 15:39:31

مرة جديدة، شكراً للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي اندفع صادقاً لمساعدة لبنان بعد تفجير مرفأ بيروت ووقوع الكارثة الكبرى على العاصمة وأهلها وساكنيها وعلى لبنان ودوره قبل أسابيع من حلول الذكرى المئوية لدولة لبنان الكبير التي أعلنها الفرنسيون عام 1920!! 

شكراً للرئيس الذي زار بيروت وجمع القوى السياسية الأساسية في البلاد على طاولة قصر الصنوبر وأطلق مبادرة لتشكيل حكومة "مهمة" محددة التركيبة والبرنامج، تمت الموافقة على مبدأ قيامها وعلى مضمون برنامجها، مع تسجيل ملاحظات من قبل بعضهم. 

شكراً للرئيس الذي عاد وزار بيروت، وتابع سعيه وعقد مؤتمراً جديداً لمساعدة لبنان ونبّه الى مخاطر عدم تشكيل الحكومة على هذه المساعدة وتجاوب الدول المعنية معنا لناحية إعادة إعمار مرفأ بيروت، والأبنية التي تهدمت، ومعالجة الأزمة المالية بالاتفاق مع المؤسسات الدولية المعنية.

شكراً للرئيس الذي حرّك "الخلية" الرئاسية الفرنسية اللبنانية في كل الاتجاهات، من واشنطن الى موسكو وطهران والخليج وأوروبا، للمساعدة في تشكيل الحكومة وأطلق سلسلة من المواقف لحثّ المعنيين في لبنان على الإقدام والوفاء بالالتزامات والخروج من دوائر المصالح الضيقة وإدراك حجم المسؤولية ومخاطر الانهيار المالي والاقتصادي وأهمية عامل الوقت الذي لا يسير معنا في ظل وباء الكورونا وكلفته الاقتصادية على العالم، فضلاً عن مشاكل الدول كلها، وصدماتها وخيباتها من مسؤولي لبنان الذين سئم وملّ "وقرف" منهم اللبنانيون أنفسهم.

شكراً للرئيس ماكرون وفريق عمله من وزراء وسفراء ومستشارين، الذين خرج منهم الوزير جان إيف لودريان مؤخراً ليقول كلاماً يستحقه الذين يعطلون تشكيل الحكومة ولا يملكون أي إحساس بالمسؤولية الوطنية لأنهم خاضعون لـ"سلطان الوهم" هنا و"سلطان العبثية" هناك ولا يخرج من دوائر هؤلاء السلاطين إلا الكوارث. قال لودريان: "اتأرجح بين الحزن والغضب والقلق، ولدي ميل إلى تصنيف السياسيين اللبنانيين أياً كانوا على أنهم مسؤولون عن حجب مساعدة بلادهم وهي في حالة الخطر... إنهم لا يساعدون بلداً يواجه مخاطر. جميعهم أياً كانوا. لقد التزموا جميعاً بالعمل على تشكيل حكومة شاملة وبتنفيذ إصلاحات لا غنى عنها، كان ذلك قبل 7 أشهر ولا شيء يتحرك. سيكون انهيار لبنان كارثة للبنانيين وللاجئين الفلسطينيين والسوريين ولكل المنطقة. أعتقد أن الوقت لم يفت لكنه ضئيل جداً والأمر متروك للسلطات اللبنانية لتتولى مصيرها وهي تعلم ان المجتمع الدولي ينظر بقلق. لا يزال هناك وقت للعمل اليوم ولكن غداً سيفوت الأوان"!! وذكّر لودريان بما وصف رئيسه ماكرون "الطبقة السياسية اللبنانية ب "الخيانة الجماعية" لأنها انقلبت على خطته !!

بالتلازم مع الشكر الصادق الذي أشرت إليه ومن موقع حزبي وطني لبناني أرى من واجبي تسجيل الملاحظات التالية: 
1 - إن التعميم في توزيع المسؤوليات والإدانات ، و "الخيانات" أمر خاطئ. ثمة من التزم بالمبادرة الفرنسية واعتبرها قضيته ولازمة في كل تصريحاته ومواقفه ومساعيه، وعلى رأس هؤلاء وليد جنبلاط الذي فاجأ الجميع بمبادراته وتجاوزه لكثير من المعايير والاعتبارات لأنه غلّب اعتبار لبنان الكبير الكيان والدور، وإنقاذه من الانهيار والذوبان، وما طرحه الأخير حول الحكومة هو  الشاهد على ذلك. فماذا يستطيع ان يفعل أكثر؟؟ 
 
2 -  لقد قبلنا على مضض الإصرار على حكومة من غير حزبيين، علماً أن في ذلك إدانة لكل الحزبيين وللحياة الحزبية السياسية في لبنان واعتبار أن من هم حزبيون غير صالحين ومن هم غير حزبيين صالحون. هذه خطيئة كبرى. لقد مرّ حزبيون وغير حزبيين على مواقع المسؤولية وأنتجوا وعملوا وغلّبوا مصلحة الدولة وفكرة الدولة ومنطق الدولة على أي أمر آخر وكانوا مثالاً في خدمة الناس ورعاية مصالحهم. ومع ذلك غرق المعنيون في لعبة أسماء "التكنوقراط" والاختصاصيين، وغرّقوا فرنسا معهم في إدراج الأسماء التي كانت تأتي من هنا وهناك بناء لرغبات وعلاقات ومصالح أحياناً لا أكثر ولا أقل. ولا ننسى أن الرئيس ماكرون نفسه قال في أحد تصريحاته "نريد حكومة ولو كانت غير مكتملة المواصفات" بعدما أصيبت مبادرته بنكسة. بناءً على ذلك كان من الأفضل أن يستخدم الوزير لودريان كلمات: "السلطات اللبنانية" و"المسؤولين" دون الوقوع في فخ التعميم والجزم!! والسلطات معروفة أين هي وبيد من!! والمسؤولون معروفون. ثمة من منح "شرف فرنسا" ذات يوم والتاريخ حافل وله الحكم في كيفية التعامل مع هذا الشرف سابقاً واليوم، وهو الواقع تحت تأثير "سلطان العبثية" وما أدراكم ما كلفت العبثية لبنان. وثمة من يعيش تحت "سلطان الوهم" اليوم ويعتقد أن شرف فرنسا الحالية منح له!! وبينهما، ووراءهما، لاعبون يتلاعبون، وشبكة مصالح وحسابات داخلية وخارجية!! فضلاً عن اللامبالين والمتربصين، المرتاحين على أوضاعهم!!

3 -  إن موضوع الكهرباء بتفاصيله وارد في بنود المبادرة الفرنسية. هل سٌئل المعنيون لماذا لم يستكمل تعيين الهيئة الناظمة؟ لماذا لا يبدأ التدقيق الجنائي في الكهرباء ومحطاتها ومعاملها وبواخرها وفيولها المغشوش وخلافات "المسؤولين" و"السلطات" مع الذين عيّنوهم في "دائرة المناقصات"، ووصول البلاد الى حال العتمة بسبب إصرارهم على سياستهم ورفضهم وقف التهريب الى سوريا، وعدم إقرارهم مشروع ترشيد الدعم على الأقل؟ وهذا على سبيل المثال لا الحصر.

4 -  كان يقال دائماً إن فرنسا هي "الأم الحنون". تبين ان هذه الأم لا تعرف بعض أولادها من الجيلين "القديم" و"الجديد"، سبّبوا لأهلهم "الشتيمة" "والنقد" وألحقوا بديارهم الكوارث.