صناعة الموت.. بلا ضابط ولا طبيب

12 آذار 2021 15:29:21

أعادت الصور والمشاهد العالمية للتطورات المواكِبة لفيروس كورونا، أو ما عُرف بـ covid19 إلى أذهان اللبنانيين ما تناقلته البشرية عن أحداث قرونٍ خلت حينما أدّى انتشار أمراض إلى موت الملايين عبر العصور، كالكوليرا، والجذام، والإنفلونزا، والطاعون الذي اعتُبر وقتذاك الأشد فتكاً من خلال موجات الوباء المتلاحقة والمضاعفة لسابقاتها ضراوة، وذلك مع تجاوز إصابات كورونا 111 مليوناً، والوفيات 2,4 مليوناً، وفي لبنان 350 ألفاً، والوفيات 4,250.

ومع تطور الوباء رغم الإجراءات، وجد الناس أنفسهم أمام خطرٍ حقيقي يقضّ مضاجعهم، وهلاكٍ محتّمٍ يدق أبوابهم، فراحوا "يتفنّنون" بالتعبير عن الموت تخفيفاً من وطأته، بينها "صناعة الموت"، كأفضل وأشرف وسلام الحياة، على قاعدة "من يخف الموت يخسر الحياة". وعبّرت صفحات التواصل بإعلاناتها، ومواقفها المتصلة، والجامع المشترك بينها، أنّ الموت أصعب من ذي قبل دون أن يتحلّق حول (المصاب) الأهل ومعزولاً في الظُلمات. 

ووجد باحثون في مركز رعاية في بوفالو- نيويورك، أنّ فعالية "الأحلام" باتت تزيد قبيل الموت بحسب 88% من المشاركين في الدراسة بين من يجهّز لسفر، وآخر للقاء ميت يحبّه،  وثالث (يقول) "أريد الابتعاد عن لعبة الحياة والموت، ولا أن أكون طبيباً أو ضابطاً"، باعتبار أنّ الطبيب صاحب مهنة إنسانية تجمع بين العلم، والأخلاق، والفضائل، والرحمة، وأنبلها العلاقة مع مريضه إلّا في وضع الحراجة، حينما يشعر المريض بعجز طبيبه أمام داءٍ لم يجد له دواء، أو ضابطٍ لا يتجرّأ إنقاذ ضحايا من براثن المجرمين خلف زجاج أسحم، وغرفٍ سوداء، وتجار بشر، في ما وجد باحثون تأثير الطبيعة الإيجابي على الصحة النفسية، وفقاً لدراسة جديدة بأنّ الوباء لم يقلّل من قوتها لتحسين الصحة العقلية.

واستناداً إلى قوله تعالى، "وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ"، وقول السيّد المسيح،  "لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب، آمنوا بالله، وآمنوا بي (يوحنا 14).

 وباستقراء التجارب أتى استذكار "الموت الأسود" الذي طبع مرحلة انتشار الطاعون في القرن الرابع عشر، ووفاة بين 40 و 60 في المئة (من السكان) في مناطق، وما نتج عنه تغييرات اقتصادية، وسياسية، واجتماعية هيكلية، علماً أنّه من حينه وحتى عام 2011، أشارت أدلة بحثية من الحمض النووي من مقبرة "إيست سميثفيلد" في لندن، (وكانت) وراء تحديد الجينوم الكامل لاكتشاف مسببات الطاعون الذي يعود تاريخه إلى عامَي 541- 750 م.  وأُطلِق (اسم) الموت الأسود على جائحة الطاعون الثاني التي يعود تاريخها إلى أربعينيات القرن الرابع عشر، وقد انتشر الوباء في أوروبا، وقتل ثلث سكانها. (أمّا) وباء الطاعون الثالث (الذي استمر) بين عام 1894 حتى ثلاثينيات القرن العشرين، فحينذاك خرجت مسمّيات مثل "رقصة الموت"، (وظهرت) رسوماً فنية ونحوتاً ونقوشاً تذكّر الإنسان بهشاشة الحياة، وكذلك أدبيات منوعة، وتوزيع كتيبات "الموت الجيد"، لإعداد النفس روحياً، وأنشطة هادفة تضع الإنسان أمام مفترقات وخيارات السلامة، والتي قال فيها سلمان الفارسي، "إنّ لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعطِ كل ذي حقٍ حقّه"، فقال النبي "صدق سلمان". وكذلك قول سقراط، "توقَّ كل التوقي، ولا حارس من الأجل، واطلب كل الطلب، ولا تسخط ما جلب القدر، وتوكّل كل التوكّل، ولا عذر في التواني".
 

*عضو اللقاء الروحي في لبنان