نداء: اتركوا المدينة

09 آذار 2021 16:45:00 - آخر تحديث: 10 آذار 2021 09:47:58

90 بالمئة من اللبنانيين أصبحوا سكان مدنٍ،  وتحوّلوا بذلك من منتجين على درجة من الاكتفاء الغذائي (كما كان أسلافهم) إلى مستهلكين لا عيش لهم من دون السوبرماركت.
 
هم هجروا القرية طمعاً في "سهولة" العيش و"مباهج" المدينة، ولكن أيضاً من أجل تعليم أولادهم بالدرجة الأولى، واعتمدوا في ذلك على وجود عمل وراتبٍ شهري. لكن مئات الألوف أصبحوا، أو قد يصبحون قريباً، بلا عمل بينما الذين يعملون ذابت رواتبهم، وقد يأتي يومٌ ليس ببعيد لن تساوي الرواتب شيئاً ذي قيمة.

لهذا السبب بالتحديد فإن العيش في المدن سيصبح أصعب فأصعب، خصوصاً مع الانقطاع المتوقّع للكهرباء، وحتى المازوت المستخدم في المولّدات، وأكثر منازل المدن تقع في طبقات عالية، كما أن انقطاع الكهرباء قد يترافق مع انقطاع المياه، وهذا ناهيك عن قطع الطرقات والفوضى الأمنية المتزايدة، وربما عمليات السلب.
 
لا يمكن، بالطبع، التعميم ولكلٍ منّا ظروفه، وربما أيضاً الحل الذي يناسبه. لكن، عموماً، فإنّ من لا يحتاج المدينة لعملٍ ضروري فإنه سيكون من الأفضل له الانتقال إلى قريةٍ يكون له فيها حديقة، أو  قطعة أرضٍ يزرعها، أو يكون جاراً لمزارعين يمكنه تأمين حاجياته عن طريقهم.

لقد أظهرت أزمة الكورونا أنّ الكثير من الأعمال يمكن القيام بها من المنزل، وبهذا فإن وجود خدمة "واي فاي" سيكون كافياً، وسيوفر للإنسان عناء المواصلات، أو قيادة السيارة ومخاطرها في الظروف الحالية، كما أنّ الأرياف اللبنانية تطورت، وأصبح فيها مؤسّسات تعليم واستشفاء راقية، كما أنّ فترات الإغلاق بسبب الكورونا أظهرت إمكان التعليم (والقيام بالكثير من الأعمال) عن بُعد، أي عبر الإنترنت. 

الدنيا دوّارة. هي تركت القرية على مدى نصف قرن، وربما سبعة عقود واتّجهت صوب المدينة وأسلوب العيش السهل. أمّا الآن، وبعد هذه الهجرة الطويلة فإنّ الأوضاع تنقلب، وبسرعة صادمة، من السهولة إلى الصعوبة والضنك، بل والمخاطر.

فهل تبدأ قريباً حركة النزوح المعاكس، والعودة البطيئة إلى القرية والأرض والطبيعة؟

كم نأمل ذلك، وقرارٌ مثل هذا يحتاج إلى ظروف شخصية ملائمة، ولكن قبل كل شيء هو يحتاج إلى رؤية سديدة، وثقة بالله، وشجاعة معنوية كبيرة.