هذه الكتب ستساعدك على المرور بسلام داخل العصر الرقمي

07 آذار 2021 17:15:01

ربما يحدث أن تملَّ قليلا من وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة أن الأمر بدأ في التأثير على عملك واستذكارك لدروسك، فتُقرِّر إلغاء تفعيل فيسبوك وتويتر على سبيل المثال، وتظن بذلك أنك تخلّصت من العالم الرقمي، لكنك مخطئ للأسف، لأن العالم الرقمي ليس وسائل التواصل الاجتماعي فقط، بل هو أيضا كاميرات المراقبة في المحلات التجارية، تعاملاتك البنكية البسيطة، تلفازك الذكي أو ثلاجتك أو سيارتك التي تتصل بالإنترنت، خدمة الخرائط من غوغل وخدمة التوصيل من أوبر، إنه كل شيء في حياتك.

العالم المعاصر متواصل بشكل فائق، وتطوير ذاتك وعملك ومعارفك أصبح غير ممكن دون أن تكون جزءا من هذه الشبكة، الحل ليس في الانقطاع عن هذا العالم، ربما قد تكون جاهلا بأدواته وتأثيرها عليك فقط، في هذا التقرير، نُقدِّم لك مجموعة من الترشيحات المبسطة لتخطو بها خطوتك الأولى في طريق الأمان الرقمي.

 

حسنا، لنترك المقدمات الطويلة جانبا ونبدأ من سوزان غرينفيلد، متخصصة علوم الأعصاب من جامعة أوكسفورد، في كتابها "تغيّر العقل.. كيف تترك التقنيات الرقمية بصماتها على أدمغتنا؟"، الصادر مُترجما إلى العربية في فبراير/شباط 2017. في هذا الكتاب ستتعلّم عن درجة مختلفة من درجات الإدمان، لا هي مَرَضية مثلما يحدث في حالة الهيروين، لكنها أيضا ليست طبيعية، هذه الدفقات المتتابعة من عناصر الرضا والبهجة في أدمغتنا، في انتظار "إعجاب" أو "مشاركة" أو "تعليق" على صورتك الأخيرة، هي بالتأكيد رد فعل يستحق التأمل والفهم.

في الكتاب، الذي يتميز بأسلوب غاية في السلاسة، وترجمة تُماثلها في دقتها وبساطتها، تعمل غرينفيلد على توعيتنا بما نواجهه داخل عوالم التواصل الاجتماعي، كيف تنشأ هوياتنا وتستمر، ولِمَ نشعر بما نشعر به داخل هذا العالم وليس خارجه؟ لِمَ يتنمر الناس بشكل أكبر على وسائل التواصل؟ هذه المعارف، المُتمثِّلة في نتائج كمٍّ ضخم من الدراسات مع مجموعة من الرؤى المثيرة للانتباه، قد تساعدك على بناء علاقة أفضل مع العالم الرقمي، ليست انسحابية ولكنها متفاعلة بقدر حذر وكافٍ للاستفادة قدر الإمكان من كل مزاياه.

كتابان آخران يمكن أن يساعدا على تعميق معرفتك بالآثار النفسية للحياة على وسائل التواصل الاجتماعي وأثرها على الحياة الرقمية، أولهما هو "Reclaiming Conversation: The Power of Talk in a Digital Age"، والثاني هو "Alone Together: Why We Expect More from Technology and Less from Each Other"، وكلاهما للمؤلفة نفسها شيري توركلي، أستاذ في الدراسات الاجتماعية للعلوم والتكنولوجيا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، التي تُركِّز على أحد أضرار الحياة الرقمية المُتعلقة بالعلاقات مع الآخرين، بسبب وسائل التواصل الاجتماعي هناك "حالة نقص عام في التعاطف البشري"، لتقول توركلي إن ما نحن بحاجه إليه حاليا هو أن نولّي اهتمامنا للكلام مع الآخرين، الأمر الذي قد يُعيد التعاطف البشري إلى مستويات مقبولة. الكتابان لم يُترجما إلى العربية بعد.

في كتابهما "ملف غوغل" الصادر مُترجما إلى العربية في يوليو/تموز 2017، يُعلِّمنا تورسن فريكة وأورليش نوفاك أن إحدى أكبر الخدع في التاريخ هي إيهامك أنك مواطن عادي ليس لديك شيء تخفيه عندما تكون على الإنترنت، بالتالي فلا مشكلة من مشاركة بياناتك مع أيٍّ كان ممّن يريد الحصول عليها، لكن إلى أي حدٍّ يمكن أن تُستخدم بياناتنا في التحكُّم بنا؟ تجمع الهواتف الذكية كمَّ بيانات عنّا يمكن له أن يتوقع آليات تفكيرنا وأشكال سلوكيّاتنا المتعددة.

في اللحظة التي نُقرِّر فيها الولوج إلى العالم الرقمي فنحن نخلع خصوصيتنا خارجا، وغوغل تنتظرنا بالداخل، إنها في كل مكان على وجه الأرض، تُحدِّد مسيرة العمليات الاقتصادية بالضبط كما تُحدِّد سعر الهاتف الذي تود شراءه عن طريق معلومة مُسرَّبة من حساباتك على وسائل التواصل الاجتماعي تُوضِّح بدقة شدة رغبتك فيه، الأمر الذي يساعد البائع على تحديد سعره! هذا الكتاب ليس فقط عن كيف يمكن للعمالقة مثل غوغل أن يتمكّنوا من التحكم بك، بل عن مشكلاتنا في فهم أهمية البيانات التي لا نعطيها أي انتباه.

دعنا الآن نتحرك إلى مستوى مختلف قليلا، قد تظن أنه بعيد عنك، لكنه يوما بعد يوم يساهم في عمليات بسيطة مثل تحديد الأفلام التي تحبها، وتحديد سعر الحذاء الذي تود شراءه، وأيضا تحديد إن كنت مناسبا أم لا لوظيفة محددة، وما الراتب الذي سيكون مناسبا لك دونا عن غيرك؟ سنتحدث عن الخوارزميات، لوهلة تظن أنها قيم رياضية ومعادلات حسابية محايدة لا يمكن أبدا أن تكون ضارة لك، بالعكس ستساعدك في تحسين حياتك، وهذا قد يكون صحيحا فعلا، لكن ليس في كل الأحوال.

تقول كاثي أونيل، وهي مؤلفة ورياضية وصحفية أميركية، في كتابها "أسلحة الدمار بالرياضيات" (Weapons of Math Destruction)، إن جملا مثل "الخوارزميات محايدة" و"الخوارزميات صادقة" و"الخوارزميات دقيقة" و"الخوارزميات علمية" أبعد ما تكون عن الحقيقة، وإن جهلنا بماهية عالم الخوارزميات التي تتعلّم ذاتيا قد يتسبَّب لنا بأضرار لا نتصورها، خاصة إن كنت من فئة مجتمعية تتعرَّض بشكل كبير للضغط بسبب طبيعة جنسها أو عِرقها أو حالتها العقلية، هنا يظهر التحيز في أقوى صوره.

كتابان آخران يتعمّقان في هذه القضية بأسلوب غاية في البساطة، ويُساعدانك في فهم العلاقة بين طبيعة الخوارزميات والتحيز، وهما "أتمتة التفاوت – كيف تُصنِّف التقنية الفقراء وتعاقبهم؟" (Automating Inequality: How High-Tech Tools Profile, Police, and Punish the Poor) لفرجينيا يوبانكس، و"خوارزميات الاضطهاد: كيف تُعزِّز محركات البحث العنصرية؟" (Algorithms of Oppression: How Search Engines Reinforce Racism) لصفية نوبل.

حاليا، يعمل فريق كبير من الخبراء في نطاقات البيانات الضخمة على محاولات عدة لتطوير آليات بناء الخوارزميات لتفادي التحيز والميل لأتمتة الفقر والتفاوت بين الناس، هذا بالفعل ممكن مع بذل قدر مناسب من الوقت والجهد في سبيله، أو على الأقل مع الوعي المبدئي بوجود مشكلات من هذا النوع. لكن الأزمة الأكبر تظل أننا -نحن البشر- لم نتمكّن بعد من التخلص من عنصريتنا أو تحيّزنا ضد الآخرين، فكيف ستفعل الخوارزميات ذلك؟!

أما لوشيانو فلوريدي، أستاذ فلسفة وأخلاقيات المعلومات البارز من جامعة أكسفورد، فيترك الخاص جانبا وينطلق إلى العام، فيُعرِّف في كتابه "الثورة الرابعة: كيف يُعيد الغلاف المعلوماتي تشكيل الواقع الإنساني؟"، والصادر مُترجما إلى العربية في سبتمبر/أيلول 2017، ما نعيش فيه بأنه عصر التاريخ المفرط (Hyperhistory)، وهو اصطلاح يُشير، لا إلى فترة نستخدم فيها قدرتنا على استخدام تكنولوجيا المعلومات لدعم تقدُّمنا، ولكن لفترة أصبحت فيها تكنولوجيا المعلومات جزءا من تكويننا، بحيث يقع كل شيء أرضا إذا توقفنا عن استخدامها، وهنا نتحدث عن الرخاء الاجتماعي والرفاه الشخصي والازدهار ومواصلة النمو، كما يبدو فإن المعلومات لها الآن دور وأهمية الطاقة في الاقتصاد.

في هذا الكتاب، وهو دسم بالطبع مقارنة بسابقيه، لكنه لا شك يستحق بذل بعض الجهد في سبيله، نتعرّف إلى خطأين عادة ما نقع فيهما، الأول عن علاقتنا بكمِّ البيانات الهائل المحيط بنا، إننا ببساطة أشبه ما يكون بقارب خشبي صغير يطفو على سطح محيط ضخم من البيانات، التي يمكن لتحليلها ودراستها التحكم في كل شيء بداية من السياسة للاقتصاد، والثاني هو تصوُّرنا أن الفضاء المعلوماتي هو شيء تخرج منه وتدخل إليه، أو أن ما يحدث على الإنترنت يبقى على الإنترنت، ولكننا نعيش في عصر يكون فيه "الحقيقي هو المعلوماتي".

كتاب آخر لفلوريدي متاح مجانا في العالم العربي وهو "المعلومات.. مقدمة قصيرة جدا"، يعطي فيه مقدمة مبسطة لمفهوم المعلومات، في نحو مئة صفحة فقط، ويتناول بالدراسة تأثير هذه الفكرة المحورية على نواحي حياتنا اليومية كافة بدءا من الرياضيات وعلم الوراثة، ووصولا إلى معناها الاجتماعي وقيمتها، وما تنطوي عليه من تضمينات أخلاقية فيما يتعلق بالملكية والخصوصية وإمكانية الحصول على المعلومات. تجد الكتاب "هنا من مؤسسة هنداوي".

كما تلاحظ، يبدو أن أولى مشكلاتنا مع العالم الرقمي هي الفهم الخاطئ لطبيعته، لم نكن لنتصوّر أنه يؤثر إلى هذا الحد في أدمغتنا، أو أن خصوصيتنا هي أمر على هذا القدر من الأهمية، أو أن الخوارزميات التي نظنها محايدة قد تكون متحيزة، أو أنه من الأساس كيان يتخلَّلنا لا حالة يمكن أن نخرج منها ونعود إليها في الصباح.

فيسبوك وتويتر وإنستغرام إذن ليست ألعابا بسيطة، ليست حالة طارئة، أو شيئا يمكن التخلُّص منه أو تجنُّبه، لكنها واقع يجب التعامل معه، تقليل الأضرار قدر الإمكان والاستفادة من المزايا إلى أقصى حدٍّ إذن سوف يكون وجهة نظرك الجديدة بعد التعرف إلى تلك المعلومة، وهناك مزايا كثيرة للتواصل قادرة على المساعدة في تعليمنا، ورفع مستوى معارفنا، وتحفيز خبراتنا إلى نطاقات لم نكن نتصورها، ذلك هو العالم الجديد، لم يعد الأمر من قبيل الرفاهية، بل علينا أن نجد طريقة آمنة في التكيُّف معه.