إخفاقات سياسة بايدن الخارجية تدفع المنطقة نحو المزيد من التوتر

03 آذار 2021 10:34:45

 تواجه إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، كسابقاتها من الإدارات الجديدة، الكثير من العقبات في تنفيذ شعاراتها الانتخابية التي أعلنتها قبل دخولها البيت الأبيض، لا سيّما إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات، حيث تفرض التطورات والمعطيات نفسها أمام الرئيس وفريقه. ومع أن الرئيس بايدن وفريقه الحالي هما من الفريق الذي أنتج الاتفاق النووي، وأنتج السياسة الأميركية في الشرق الأوسط في عهد الرئيس باراك أوباما، ويلتزم منهجية ورؤية عمل المؤسّسة في إدارة الصراع في الشرق الأوسط بما يجعل الأطراف والقوى كافة تحت الهيمنة الأميركية، وبشروط الهيمنة الأميركية. وهذا ينطبق على الخصوم من طهران وموسكو وبكين، كما ينطبق على الحلفاء والشركاء أيضاً. فسياسة الهيمنة التي سبق أن استخدمها الرئيس أوباما، يستخدمها الرئيس بايدن وفريقه بنفس المنهجية.

 وفيما يتقدم مشهد الصراع مع الصين وروسيا إلى الأولوية تحت عنوان الديمقراطية وحقوق الإنسان، يشتق فريق خارجية بايدن من تلك العناوين أشكال الضغط المنتظم على مصر والسعودية وتركيا، والدول التي لا تنسجم ولا تصطف بالكامل تحت سلطة السياسة الأميركية. وهذا ما ينال حالياً الرياض التي تواجه إيران بسياسة تتجاوز في مجالاتها المختلفة السياسة الأميركية، كما تتجاوزها في علاقتها مع اليمن التي ترتبط بسياسة المواجهة مع ايران، وهو ما يضع الرياض في موقع متناقضٍ مع اتجاهات السياسة الأميركية الحالية في اليمن.

تشير هذه اللوحة المختصرة، إلى أن الإدارة الأميركية الراهنة التي تتقدم في سياستها في الشرق الأوسط ببطء وحذر، تجنّد كل الأدوات الخاصة في صراعها مع الخصوم، مثل بكين وموسكو لتشتق معادلة قابلة لإرضاخ إيران، وجلبها إلى طاولة المفاوضات دون تطبيق سياسة الضغوط القصوى، ومن دون الاشتباك مع أوروبا الغربية وتحديداً بريطانيا وفرنسا وألمانيا، لا تعير أي اهتمام لمستوى المصلحة العربية التي تجسّدها السعودية ومصر، على الرغم من الضرر المضاعف الذي يطال الرياض من السياسات الإيرانية في المنطقة.

لقد تلقت إدارة بايدن في افتتاحية سياستها في الشرق الأوسط ضربةً إيرانية موجعة حين عبّر الناطق باسم الخارجية الأميركية عن "خيبة أمل واشنطن تجاه رفض طهران الدعوة الأوروبية لعقد جلسة حوار غير رسمية لمجموعة (5+1) وطهران"، حيث اعتقد الرئيس بايدن أنه سيسجّل نصراً دبلوماسياً وإعلامياً كبيراً من خلال ذلك اللقاء. لكنّ رد الفعل الإيراني جاء ليجهض مشاريعه، ويقول له "إن طهران لن تجلس على طاولة المفاوضات ما لم ترفع واشنطن عقوباتها التي فرضها ترامب عليها"، وهذا الشرط لا يستطيع بايدن أن ينفّذه بشكلٍ مباشر.

وفي هذا السياق تتحدث مصادر دبلوماسية متابعة، عن دور أساسي لإسرائيل في هذه القضية، حيث أن لتل أبيب مجموعات ضغط قوية داخل الكونغرس، وداخل البيت الأبيض، وداخل المجتمع السياسي الأميركي وفي الصحافة والإعلام، وفي أروقة المؤسّسة الأميركية التي تصنع القرار.

 وتقول المصادر إنّ، "رئيس الحكومة الإسرائيلية أدرك أن الرئيس بايدن لا يريد العودة إلى المفاوضات مع طهران فقط، بل العودة إلى الاتفاق النووي كما كان سابقاً، وليس على سكة استثمار طويل الأجل للعقوبات والضغوط القصوى، كما كان يشاع عن مصادر البيت الأبيض، بل استخلص نتنياهو أن بايدن متسرّع، ويريد عقد اتفاق مع طهران قبل الانتخابات الرئاسية في حزيران المقبل". وهذا ما أثار الذعر لدى إسرائيل، وبرز ذلك من خلال اجتماع حكومي خاص للجنة الأمنية مع المستشارين والخبراء الأمنيين والسياسيين المتخصّصين بالملف الإيراني، وكانت محصلته أن حَمل نتنياهو توصيات إسرائيل الرسمية، المدعمة بموافقة حليفه اللدود زعيم حزب أبيض – أزرق، لطرحها على صنّاع القرار الأميركي تحت عنوان "ملف شديد الخطورة". وقال في العلن، "إذا لم يتم وقف التخصيب النووي، ولم يتم إدخال تعديلات جوهرية على الاتفاق القديم، فإن العودة إلى اتفاق حزيران 2015 تنطوي على ثغرات تمكّن طهران من امتلاك القنبلة النووية"، وهذا ما جعل من الضغط الإسرائيلي، شديداً، ومباشراً، ومعلناً، سواءً عبر النشاط الجوي ضد الأهداف الإيرانية في سوريا، والتي تضاعفت بعد تفجير باخرة الشحن الإسرائيلية في خليج عُمان، لتنتهز تل أبيب سياسةً متشدّدة تقول فيها علناً، "إذا لم توفّر إدارة بايدن الضمانات التي تمنع إيران من امتلاك القنبلة النووية، سوف توجّه إسرائيل ضربةً عسكرية للمواقع النووية الإيرانية، ولن تكون محايدة في هذا الأمر".

تخلص المصادر إلى القول إنّ، "فشل افتتاحية الرئيس بايدن عن طريق الاتحاد الأوروبي للعودة إلى طاولة المفاوضات النووية بفعل التصلّب الإيراني، يعني فشل المفاوضات السرية التي انطلقت بين فريق بايدن وطهران، والتي انطلقت قبل دخول بايدن المكتب البيضاوي. ويعني أيضاً أن الوقت الذي اتّخذه بايدن لتحقيق اختراقه الأول لم يعد كافياً (ثلاثة أشهر قبل موعد الانتخابات الإيرانية)، وبالتالي لم يعد الوقت كافياً أمام بايدن لإنجاز أي شيء في هذا الملف بعد فشل افتتاحيته تلك".

نقطة أخرى أشارت إليها المصادر سيكون لها تأثير سلبي على انطلاقة عهد الرئيس بايدن، وهي "التزامن بين تطوّر الصراع في اليمن والإعلان عن التقرير الاستخباراتي الأميركي بشأن مقتل الصحافي السعودي، جمال خاشقجي"، حيث بدا أن التصعيد الإيراني – الحوثي في اليمن على المملكة العربية السعودية، متلازم وسياسة الضغط الأميركية على المملكة،  دفع بايدن إلى إنهاء الصراع في اليمن أولية له، ووقف الدعم العسكري للتحالف العربي بقيادة السعودية، ليأتي بعدها الإعلان عن التقرير، وإعادة ترتيب العلاقة الأميركية – السعودية، والتي تحمل في طياتها ضغوطاً غير مباشرة على ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان.

وترى المصادر أنه، "مقابل الضغوط الأميركية المتصلبة تجاه مسألتَي الديمقراطية وحقوق الإنسان، هناك عمل مؤسّسي خاص بالأمن القومي السعودي، تتصلّب الرياض بالدفاع عنه، وهي تتقن احتواء تناقضات السياسة الأميركية، ولديها خبرة بطريقة صناعة القرار الأميركي، ولديها قدرة التصلّب في موقفها تجاه أمنها القومي، والتصلّب في موقفها أيضاً لناحية الحل السياسي في اليمن بما يحفظ أمنها ودورها وخاصرتها". وبالتالي فإن الأمر سوف يذهب باتّجاه التنازع وشد الحبال، على مختلف المسارات من الملف النووي إلى التدخل الإيراني في المنطقة، ولا سيّما اليمن، بغية الوصول إلى صياغات واتفاقات مرضية للطرفين العربي والأميركي، على الرغم من أن الإدارة الأميركية تحاول فرض سلوكها ورؤيتها للحل في الشرق الأوسط،  "فربَّ ضارةٍ نافعة"، حيث يأتي التصلّب الإيراني في مكانٍ ما مفيداً في هذا المجال للبناء عليه، وإحداث تعديلٍ في حركة الصراع المستمر في المنطقة التي تديرها واشنطن دون الأخذ بمصالح الآخرين، ما يدفع جميع القوى إلى مزيدٍ من التصلّب، ورفع مستوى التوتّر في الإقليم.