عن خلفيات ودوافع كلام الراعي

01 آذار 2021 23:09:12

فرض اللقاء الشعبي الجامع الذي حصل السبت الماضي في ساحة بكركي حدثا بالغ الأهمية في هذا التوقيت بالذات، وقد تميز بمفاجأتين لم تكونا بالحسبان.

الأولى كثافة الحضور الشعبي من مختلف المناطق ومن أهواء سياسية مختلفة، بما في ذلك تمثيل رمزي لرجال دين من الطوائف الإسلامية والمسيحية، والثانية كانت في تناول البطريرك بشارة الراعي في كلمته لمواضيع دقيقة ومفصلة وشاملة ومنها يطرح للمرة الأولى، لاسيما مطالبته بفصل الدين عن الدولة بالكامل، وباعتماد التوازن الوطني كقاعدة للحكم وعدم الاعتماد على موازين قوى مدعومة من الخارج وهي تقيد حركة المسؤولين وتحاصر المؤسسات الدستورية.

يقول مشاركون في اللقاء الذي جمع البطريرك الراعي مع رجال الدين بعد الانتهاء من إلقاء خطابه، إن الأجواء توحي بانتفاضة حقيقية، وما قبل مهرجان بكركي ليس كما بعده، بصرف النظر عن موقف الطرف المتضرر من اللقاء، وقدرته على إظهار ساحة شعبية مقابلة.

والراعي قال: إنه تحدث بما يعبر عن مواقف الناس تماما، وهي مسؤولية تاريخية تحملها أسلافه، ولا يمكنه وهو في هذا الموقع أن يسكت عندما يرى لبنان أمام خطر شديد يهدد بزواله، والمواطنون على شفير المجاعة.

من المعروف عن الراعي حرصه على التواصل مع الجميع، ومراعاته للأطراف كافة، داخل طائفته المارونية وخارجها.

وهو كان محل اتهام من قبل فئات وأحزاب لكونه رفض الدعوات التي طالبت بإسقاط الرئيس عون بالشارع، كما أنه مارس ديبلوماسية روحية متقدمة في تعاطيه مع أطراف محور الممانعة - وخصوصا منهم حزب الله - على شاكلة مختلفة عن موقف سلفه الراحل الكاردينال نصرالله صفير عام 2005 الذي أيد علنا ثورة الأرز وقوى 14 آذار التي طالبت بالسيادة والاستقلال.

لم يترك البطريرك الراعي وسيلة إلا واستعملها لثني الفرقاء المتحكمين بقرار الدولة عن سياستهم المتهورة، وهؤلاء معروفون تماما.

فهو زار الرئيس ميشال عون بالقصر الجمهوري مرات متعددة، فاقت زيارات كل أسلافه، وتدخل عشرات المرات محذرا من خطورة الانهيار، ثم دعا لتحرير الدولة وفك أسرها، وطالب بالحياد الإيجابي الناشط، كون لبنان قام على هذا الحياد، وهو شرط من شروط بقائه على قيد الحياة، ولعب دور الوسيط السياسي بعد الزيارة غير العادية التي قام بها الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري الى بكركي في 17/12/2020، وبذل جهودا كبيرة لتذليل العقبات أمام تشكيل الحكومة، لكن جهوده باءت بالفشل، ومن سمع خطاب الراعي الأخير يستنتج بوضوح أن فريق الرئيس وحلفائه من قوى الممانعة يقفون وراء تعطيل تأليف الحكومة.

هذه العوامل مجتمعة، إضافة لصرخة الناس من الويلات التي تعيشها من جراء توقف أعمالهم وضياع أموالهم في المصارف كما من نتائج كارثة المرفأ، دفعت الراعي الى اتخاذ المواقف المتقدمة التي أطلقها أمام جمهور غفير تناغم معه في ذات الشعارات التي ركزت هي ايضا على تحرير الدولة وعقد مؤتمر دولي لإنقاذ لبنان، وإيجاد حلول لمشاكله الكبيرة وأهمها حياده ورفع هيمنة السلاح غير الشرعي، وضمان عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، ومن دون هذه الضمانة الدولية لن يعود هؤلاء بطبيعة الحال.

الراعي يعرف أنه ليس وحيدا في هذه المعركة السيادية، فقد أعلنت مجموعة كبيرة من القوى والمرجعيات تأييدها لمواقفه أو لجزء منها، ومنهم رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع واتصل به لهذه الغاية الرئيس سعد الحريري، إضافة الى قوى شمالية وجنوبية ولقاء السيادة برئاسة النائب السابق فارس سعيد وحزب الكتائب، ومعروف أن علاقة بكركي ممتازة مع الرئيس نبيه بري والقناة التلفزيونية التابعة له نقلت خطاب البطريرك الراعي مباشرة، ويهم بري إنقاذ لبنان من المأزق الذي يعيشه، وعلاقة بري مع التيار الوطني الحر متوترة، وهؤلاء أجهضوا مبادرته القاضية بتسريع تأليف الحكومة، والراعي مدعوم ايضا من رأي عام عربي ودولي ومن حاضرة الفاتيكان، وهؤلاء جميعا ضاقوا ذرعا من التعاطي السلبي للفريق المتحكم بالدولة والذي عطل كل المبادرات الإنقاذية التي استهدفت مساعدة لبنان.