لماذا نسي العالم وجود حرب في سوريا؟

28 شباط 2021 16:34:00 - آخر تحديث: 28 شباط 2021 16:34:58

يبدو أن الضربة الأميركية الأخيرة على موقع شمال شرقي سوريا تسيطر عليه الميليشيات المدعومة من إيران، والتي يُعتقد أنها مسؤولة عن الهجمات الأخيرة على أهداف أميركية في العراق، بوصفها أول تحرك عسكري خارجي للرئيس الجديد جو بايدن، دفعت الصحافة العالمية إلى إعادة التذكير بوجود حرب في البلد البعيد المسمى سوريا، والذي يبقى غارقاً في المشاكل والفوضى حتى لو تراجعت أولويته إعلامياً وسياسياً على حد سواء.

وانتشرت عبارات مثل "الحرب المنسية في سوريا" أو "لماذا نسي العالم سوريا" أو "كيف نسينا مدينة الرقة"، وغيرها من العبارات ذات الصلة، في صحف ووسائل إعلام أميركية وأوروبية رصينة، لم تنطلق جميعها في مقاربتها فقط من الضربة الأميركية بل تزامنت معها بشكل مدهش، ولم يكن هنالك إحساس بالصدمة في تلك الكتابات التي توصلت إلى نتيجة موحدة تمثلت بأن الحرب في سوريا مازلت أمراً واقعاً، رغم أن الصراع تحوّل إلى صراع مجمّد خلال السنوات القليلة الماضية، خفت فيه صوت القنابل قليلاً، من دون أي تغيير يُذكر في طريق الإصلاح السياسي المنشود.

وكانت القراءات السابقة لفكرة الصراع المجمّد في سوريا التي بدأت تتبلور في الإعلام العالمي بعد معركة حلب العام 2016، تقول إن البلاد دخلت هذه المرحلة بانتظار الحل السياسي الذي يشكل الدولة السورية مع انتخابات العام 2021، على أن يتم خلالها تشذيب شكل النظام الأسدي عبر بعض الإصلاحات الشكلية التي تطالب بها روسيا تحديداً التي باتت عرابة المستقبل السوري عبر اتفاق أستانة عن واقع انهيار سلسلة مؤتمرات جنيف الخاصة بصياغة مستقبل البلاد.

لكن تلك الرؤية الرومانسية لم تتحقق، بل شهدت البلاد مناوشات عسكرية من حين إلى آخر في مناطق كإدلب وريف حلب، وثورة صغيرة جديدة في السويداء، وانتشاراً مذهلاً للفقر ومشاهد الجوع، فيما حافظ النظام على تعنّته من فكرة الإصلاح السياسي، لدرجة اشتكى فيها الإعلام الروسي نفسه من جمود دمشق، ووصل ذلك حد انتقاد رئيس النظام بشار الأسد نفسه في أيار/مايو الماضي.

وليس من الغريب بالتالي أن تكتب صحف متخصصة في السياسة الخارجية والعلاقات الدولية مثل "وورلد بوليتكس ريفيو" الأميركية عبارات تصف الحالة المقلقة في سوريا بأنها "حرب يبدو أن معظم العالم قد نسيها، مع وجود كثير من اللحظات التاريخية المؤلمة التي لا يمكن حصرها. وحتى مع ظهور مزيد من التفاصيل حول الفظائع في سوريا، فإن العدالة والمساءلة بشأن عمليات التعذيب والفظائع الممنهجة التي ارتكبها نظام بشار الأسد، تبقى أمراً بعيد المنال".

وفيما كانت الأخبار الآتية من ألمانيا بشأن محاكمة إياد الغريب، العنصر السابق في استخبارات النظام السوري والمشارك في اعتقال متظاهرين سلميين قبل نحو عشر سنوات، مبشرة، فإن الحديث عن أن الحكم يمثل إدانة للنظام السوري برمته يبقى حديثاً رومانسياً بدوره وفق المعطيات السياسية الحالية التي تشير إلى انتصار الأسد في الحرب السورية ووجود تقبل على مضض لبقائه في السلطة طالما بقيت الأمور هادئة، من ناحية التيارات الجهادية وأفواج اللاجئين.

وفيما تنقل الصحف الكبرى مثل "نيويورك تايمز" الأميركية قصص السوريين وتساؤلهم المشترك: "لماذا نسينا العالم"؟، يمكن ملاحظة شعور بالأسى أو الخجل، يأتي من تورط عاطفي أو إنساني بين الصحافة والحدث الذي غطته لسنوات. تدرجت فيه، أولاً بوصفه حدثاً بعيداً في بلاد غريبة، إلى كونه حدثاً مألوفاً مؤلماً، مع فيض من الصور والفيديو والأخبار المروعة، الكفيلة، ربما، بإثارة الأرق لدى الصحافيين والمحللين.

وهكذا يصبح الشعور العارم بالصدمة في المقالات والتقارير التي تلاحق القضية السورية في العام 2021 أقرب إلى خيبة أمل مع اكتشاف متأخر بأن الأمنيات الطيبة بشأن تحقيق الاستقرار لملايين السوريين، ولملايين أكثر في الشرق الأوسط المضطرب، لا تكفي وحدها.

وبالطبع، فإن الصحف الرصينة هنا لا تبدي ردة فعل درامية، بل تتفاعل مع الواقع الحالي فقط. ومن اللافت عدم وجود تصورات مستقبلية أو تحليلات تتخيل حالة البلاد في المستقبل، مثلما كان عليه الحال قبل 5 سنوات مثلاً. وربما يعود ذلك إلى عدم وجود معطيات أو سياسات واضحة بشأن سوريا في العواصم الغربية المشغولة بقضايا أكثر إلحاحاً تفوق عليها جميعاً الهم الجديد المتمثل بفيروس كورونا المستجد. كما يرجع ذلك جزئياً إلى طبيعة العمل الصحافي نفسه القائم على ملاحقة الأخبار والقصص يوماً بيوم والتعامل مع الحدث لحظة حدوثه في محاولة لربطه مع سياقه الأشمل. وهو ما قامت به الصحافة الغربية بكفاءة، ربما، طوال سنوات الحرب السورية.

على أن نسيان سوريا لا يقتصر على الإعلاميين والسياسيين، فصحيفة "إندبندنت" البريطانية أشارت إلى أن أقل من ثلثي البريطانيين في الواقع لا يعرفون أن الصراع في البلاد مازال مستمراً اليوم، حيث أفاد 58% فقط من البريطانيين الذين شملهم استطلاع للرأي، أنهم يعرفون أن الحرب مازالت مستمرة بعد عقد من الزمان، بينما يعتقد 4% أنها انتهت مقابل 38% ممن قالوا أنهم غير متأكدين، علماً أن الوعي بشأن الأزمة السورية قبل 18 شهراً فقط كانت أكبر بكثير، حيث أجاب 77% من البريطانيين في آب/أغسطس 2019 بالإيجاب.

وربما يكون طغيان قصص الحركات الجهادية في صعودها وانكسارها في سوريا، تحديداً تنظيم "داعش" الإرهابي، على الموضوع السوري في الميديا العالمية، سبباً في انحراف مستوى الوعي العام بالشأن السوري، حيث انتشرت سرديات وصفت الحرب في البلاد بأنها حرب طائفية أو بأنها صراع على السلطة، ورغم أن ذلك قد يكون صحيحاً ضمن سياق معين، إلا أن العنصر الحاسم هنا هو أن الحرب السورية أصلاً لم تكن حرباً ضد "داعش" وأخواته، بل كان تمدد الجهاديين في مساحات واسعة من سوريا، مرتبطاً بالصراع الأصلي في البلاد، أي الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد، والتي تحولت إلى حرب أهلية وإقليمية ودولية، منذ لجوء النظام السوري إلى القوة في ردّه على التظاهرات السلمية.

ولم يكن من المفاجئ بالتالي أن نهاية "داعش" لم تفضِ إلى الاستقرار المنشود في البلاد، مثلما كانت الأمنيات الصحافية تكرر. لأن إحداث استقرار حقيقي يتطلب إيجاد حل سياسي حقيقي وهو ما لم يتحقق. ويصبح الاستقرار الوهمي الحالي مقلقاً لكونه لا يحل المشاكل بل ينتظر تفاقهما في المستقبل فقط، علماً أن الأزمة الإنسانية التي أثارتها الحرب الأهلية السورية تبقى الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، حيث تقدر الأمم المتحدة أن 13.1 مليون شخص بحاجة إلى المساعدة، على الأقل، بينما قتل نحو نصف مليون شخص وتشرد 12 مليوناً آخرين.

ومع الذكرى العاشرة للثورة السورية في آذار/مارس المقبل، يخشى أن يكون كل أولئك الضحايا أرقاماً تم نسيانها بالفعل. وتحولت الذكرى السنوية للوقوف على الأطلال وترديد الشعارات والأمنيات. وهنا يقيم "متحف الهولوكوست التذكاري الأميركي" في العاصمة الأميركية واشنطن، فعالية إلكترونية "للتجمع في هذه اللحظة تضامناً مع الشعب السوري لنقول له أننا لم ننساه"، وذلك بالتعاون مع لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب ولجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، في الكونغرس. وسيتحدث الناجون السوريون عن تجاربهم، بالإضافة لتقديم إحاطة حول المخاطر التي تواجه المدنيين في إدلب وغرب حلب ومراكز الاحتجاز التابعة للنظام السوري، وغيرها.