بكركي جمَعَت ورسالة الراعي أصابت.. "أنقذوا لبنان"

28 شباط 2021 05:44:00 - آخر تحديث: 08 آذار 2021 06:23:24

يوم "حماية لبنان" كان في بكركي أمس، حيث حمل الحشد الشعبي إلى خطاب البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي رسالةً واضحة المعاني والمقاصد، كرّست المسار الذي انتهجته بكركي حيال الأزمة الراهنة لناحية مطالبتها بحياد لبنان عن الصراعات الخارجية، وبعقد مؤتمر دولي من أجل لبنان برعاية الأمم المتحدة، أو لناحية الخطاب الرصين الواضح في تسليط الضوء على المشكلة اللبنانية وعلى عجز المعنيين عن معالجتها.

وقد نجح سيد بكركي بتشخيص الداء الذي يعاني منه اللبنانيون منذ سنوات، متمنيًا على أشقاء لبنان وأصدقائه مدّه بالدواء الشافي ويد العون لمساعدته في عمق ما يعانيه من عقمٍ جراء تراكمات ليس آخرها التعطيل الحاصل بتأليف حكومة جديدة، وهو ما سعى لمعالجته البطريرك جاهدا عبر محاولته تدوير الزوايا بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلّف سعد الحريري لكنه وصل الى حائط مسدود.

وفي حين لاقى كلام البطريرك أمس ترحيباً من القوى السياسية التي تتلاقى معه على القناعة بإنقاذ الكيان اللبناني رغم تباينات عرضية في بعض المضامين، فإن ما تسرّب عن حزب الله مواربةّ أو عبر قناة "المنار" الناطقة باسمه، أعطى انطباعاً واضحاً عن الموقف السلبي من مشهد بكركي.

مصادر مواكبة أشارت عبر جريدة "الأنباء" الالكترونية إلى مجموعة عناصر ساهمت في نجاح رسالة الأمس، أولها فشل السلطة على مدى السنوات الأربع في ايجاد الحلول للأزمة الاقتصادية التي تفاقمت جدا بعد 17 تشرين وما تلاها من أزمات متتالية، وفشل حكومة حسان دياب بمقاربة الملفات الأساسية بل انتهاجها سياسة كيدية وبالأخص في الشقين المالي والاقتصادي، ما أوقعها في عزلة عربية ودولية لم تكن تتوقعها، ثم فشلها في معالجة أزمة ودائع المواطنين وتردّي القيمة الشرائية لليرة اللبنانية أمام ارتفاع سعر صرف الدولار وانعكاس كل ذلك على معيشة اللبنانيين.

وثاني هذه الأسباب اعتماد الاستنسابية في التعاطي مع جائحة كورونا واتخاذ قرارات ارتجالية في طريقة اقفال المرافق العامة، وثالثها الكارثة التي خلّفها انفجار المرفأ، ومحاولة تجهيل الفاعل منذ اليوم الأول ولغاية الآن، اضافة الى إعلان أمين عام حزب الله حسن نصرالله انتهاء التحقيق في انفجار المرفأ وضرورة الانتقال الى التعويض على المتضررين واقالة القاضي فادي صوان، ورابعاً التعامل بخفة مع المبادرة الفرنسية ووضع العصي في دواليب تشكيل الحكومة التي أوصلت البلد الى ما هي عليه. ثم تدخّل الراعي شخصيا لحل الأزمة وفشله في جمع الرئيسين عون والحريري ما جعله ينتقل من المطالبة بحياد لبنان الى المطالبة بعقد مؤتمر دولي لأجل لبنان بعد وصول الأمور الى حائط مسدود.

هذه العوامل المعلنة وتلك غير المعلنة أسهمت بحسب المصادر الى حد كبير بنجاح يوم بكركي، يضاف اليها مقاربة الراعي المدروسة للملفات التي عرضها.

وانطلاقا من ذلك، توقعت المصادر ان تلقى مطالبة الراعي أصداء إيجابية على المستوى الدولي أقلها بما يعيد لبنان الى واجهة الاهتمام الدولي كما حصل أثناء انعقاد مؤتمر الطائف أو في الدوحة.

أما محلياً، فكيف كانت قراءة القوى السياسية لما جرى في بكركي؟

عضو تكتل الجمهورية القوية النائب أنيس نصار علّق على مشهد بكركي عبر "الأنباء" الالكترونية بالقول: "لم نر في ساحات الصرح سوى مشهد وطني واسع، والبطريرك على عكس ما كان يعتقد البعض زورا، لم يطلب شيئا تحت الفصل السابع ولا جيوشاً ولا احتلالاً، ولكن مع وصول الأمور الى طريق مسدود كان من حقه ان يطلب من الدول الشقيقة والصديقة عدم ترك لبنان الى قدره في ظل طبقة حاكمة لا تعير وزنا لما يتخبط به اللبنانيون معيشيا واقتصاديا وصحيا"، واصفا خطاب الراعي "بالوطني والممتاز، فبكركي تجمع ولا تفرّق".

النائب فريد هيكل الخازن بدوره رأى في حديث الى جريدة "الأنباء" الالكترونية انه "بعد وصول الأمور الى حائط مسدود لم يعد أمام بكركي الا ما يجب ان تعبّر فيه عن نفسها، ولا يمكن القول بأنها غير معنية بالأزمة الكبيرة، فكان لا بد من البحث عن كوّة في هذا الحائط الكبير عبّر عنها البطريرك الراعي بمجموعة مواقف ومطالب وضعها في خانة الحوار، وهو يدرك أنه بقدر ما يكون هناك توافق وطني حول مواقفه بقدر ما يمكن ان تصل الى نتيجة ايجابية"، داعيا الى "عدم تجزئة مواقف بكركي والنظر إليها من منظار وطني، فالراعي يطالب بتطبيق القرارات الدولية لا سيما عودة اللاجئين الفلسطينيين وعودة النازحين الى بلادهم واستعادة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا ووقف انتهاك الأجواء اللبنانية وتسليح الجيش، وبالتأكيد مسألة قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية، وهذا أمر طبيعي".

وأضاف الخازن: "بما أعرفه عن بكركي وحرصها على الحوار ومد اليد بالأخذ والرد بالحوار والنقاش، قد نصل الى حل مشكلة لبنان، فأداء أهل السلطة هو من أوصل الراعي الى هذا السقف، وقد قال غبطته أنه حاول بقدر ما عنده من جهد وسعى الى جمع الرئيسين عون والحريري لكنه فشل، ومع ذلك بكركي لا تتعاطى الا بما ينقذ ولا يفرّق".

من جهته، عضو كتلة المستقبل النائب نزيه نجم وصف في حديث لجريدة "الأنباء" الالكترونية خطاب الراعي "بالممتاز ويأتي ترجمة لرسالة بكركي عبر التاريخ، فهي تجمع ولا تفرّق، والراعي يحاول ان يجمع وقد سعى الى ذلك ولم يُوفَّق، فلعله بهذا النداء يصل الى ما يطمح اليه كل لبناني شريف ومخلص"، سائلاً: "أين المشكلة في عقد مثل هذا اللقاء الوطني؟ فالراعي لم يقل شيئا يمكن أن يستفز الاخرين حتى الذين يعارضون عقد مؤتمر وطني، والراعي ليس وحده المنزعج مما وصلت اليه الأمور، فكل القوى السياسية تعبّر عن اشمئزازها بشكل أو بأخر من عملية تعطيل تشكيل الحكومة".

وعما اذا كان كلام الراعي قد يسرّع في التأليف، تمنى نجم ذلك، مُجددا تأكيد "اصرار الحريري على حكومة 18 وزير وأن الحكومة التي ستُشكّل هي لكل لبنان وليست لسعد الحريري، فإذا أرادوا الانقاذ فليدعوا الحريري يشكل الحكومة من المستقلين كما هو متفق عليه".

من جهته، عضو تكتل "لبنان القوي" النائب أسعد درغام أشار في حديث لجريدة "الأنباء" الالكترونية إلى أن "الراعي دعا لحياد لبنان وعقد مؤتمر دولي لإنقاذ لبنان، ونحن كتيار وطني حر كنا ندعو في كل البيانات الوزارية للنأي بالنفس عن الصراعات الاقليمية، وكل مسعى خير للبلد فنحن الى جانبه ولا يسعنا الا ان نكون الى جانب هذا الموقف الوطني"، مبديا خشيته من محاولة البعض استغلاله لأهداف سياسية، معربا عن تقديره لمواقف الراعي الذي وصفه بالحكيم وأن كلامه كان فوق الصراعات والخلافات.

وقال درغام: "جرّبنا كل شيء وليس أمامنا سوى الحوار بين بعضنا البعض، فالحوار هو الأساس لحل المشاكل، والاستمرار بالخلافات لا يفيد بشيء ولا أحد يستطيع ان يلغي الاخر، ومحكوم علينا بالتفاهم والجلوس مع بعضنا، فالبلد قائم على التفاهم، وما نأمله بعد كلام الراعي ان يُعقد لقاء قريب بين الرئيسين عون والحريري والقيام بمقاربة جديدة كي نصل الى ولادة حكومة وهذه المقاربة تقوم على الاعتراف بالاخر، وان رئيس الجمهورية بموجب الدستور هو شريك أساس في التأليف وكذلك الرئيس المكلف، والاتفاق بينهما ضروري جدا للخروج من هذه الأزمة".

توازياً، أشار الخبير القانوني المحامي الدكتور سعيد مالك الى أنه من الثابت مع تعذر الوصول الى حل داخلي في كثير من المعضلات لا بد من الرجوع الى مرجعية تشكل خشبة خلاص، فكانت الدعوة الى الحياد وعقد مؤتمر دولي لأجل لبنان ومطالبة الراعي لا تتنافى مع الدستور بل تتناغم مع مصلحة لبنان العليا وسيادة لبنان، لافتاً الى ان "المؤتمر الدولي لأجل لبنان لا يمكن ان يُعتبر جزءاً من محاور متصارعة ويمكن ان يصل الى مرحلة تساعد لبنان على الخروج من أزمته".