إستشهاد كمال جنبلاط: ...أبداً على هذا الطريق

عزيز المتني |

باقٍ وأعمار الطغاة قصارُ
من سفر مجدك عاطرٌ نوّارُ
العمرُ عمرُ الخالدين يمُدّهُ
فلك بطيب نقاهمُ دوّارُ

من رائعة شاعر العراق والعرب محمد مهدي الجواهري في رثاء الزعيم الوطني عبد الحميد كرامي، رفيق نضال كمال جنبلاط من أجل الإصلاح والتحرّر وبناء دولة القيم والقانون، نقتطع هذين البيتين من الشعر، وهما لكل زمان ومكان...

إلى واحدة من أقوال وكتابات كمال جنبلاط الخالدة خلود شهادته ونقائها والباقية بقاء قيمه ومثاله وتوجهاتها: "وهل من شيء أشرف من العبور فوق جسر الموت إلى الحياة التي تهدف إلى إحياء الآخرين، إلى محضى قضيتهم قوّة الإنتصار مع الزمن، وإلى ترسيخ مثال الصمود والتضحية في نفوس المناضلين؟! وفوق جسر الأمل الذي ترسمه الشهادة يعبر الجميع، اذا كان لهم قوة الإرتفاع، إلى مستوى الاحياء الحقيقيين.

في الكتابة عنه في ذكرى استشهاده المنير المضيء نستذكر العبارة الخالدة:" ليس أعظم من أن يبذل القائد الإنسان نفسه فداء عن أحبائه"

.... ووقفات العزّ والكرامة الوطنية في مسيرة نضاله من أجل نصرة الحق وبناء مجتمع المواطن الحر والشعب السعيد على أساس قيم الحرية والعدالة الإجتماعية والعدل والمساواة في الحقوق والواجبات، وتحقيق الإشتراكية التقدميّة الأكثر إنسانية لخير الإنسان ورقيّه والحفاظ على الكرامة الإنسانية منذ المولد وحتى المصير.

وتعود بي الذاكرة الى يوم الخامس والعشرين من شهر شباط سنة 1954، كنت في الثامنة عشرة من سنّي عمري يوم دعاني الصحافي الوطني خالي نسيب المتني الى مرافقته في زيارة السويداء (جبل العرب في سوريا) مع الوفد الشعبي الكبير من إخواننا الموحدين الدروز والذي تقدّمه كمال جنبلاط والأمير مجيد أرسلان وشيخ عقل الطائفة يومها الشيخ محمد أبو شقرا.

وكان هدف الزيارة التهنئة والتبريك للشعب السوري الشقيق بسقوط حكم الطاغية المستبد أديب الشيشكلي، وبعودة الزعيم الوطني وقائد ثورة الأحرار السوريين سلطان باشا الأطرش من منفاه في الاردن، يومها شهدت على مدى محبّة أبناء جبل العرب الاشاوس لكمال جنبلاط وتعلقهم بقيادته وبمثاله. فما ان ترجّل كمال جنبلاط من السيارة حتى سارعوا فرفعوه على الأكف، فخطب وبارك لسلطان باشا عودته المظفرة من المنفى، وخاطب الجماهير بالقول: إن سقوط نظام الطاغية أديب الشيشكلي يؤكد الحقيقة الكبرى وهي ان الشعب لا يمكن أن يُحكم بالحديد والنار، وأن أيّ حكم يخالف إرادة الشعب وحقه في الحرية والكرامة والعدالة الإجتماعية لا يمكن أن يستمر، فإرادة التحدي هي أبداً الغالبة، أما تحدي الإرادة، تحدي إرادة الشعب، فهي إلى زوال وهزيمة وخذلان.

وتعود بنا الذاكرة إلى حقبة إستشهاد "المعلم" وإلى الشهادة التي أدّاها شاعر فلسطين والعرب سميح القاسم عندما كتب يقول: "إن كمال جنبلاط ليس إنساناً لبنانياً فحسب، بل هو أحد الرموز الشاهقة في التاريخ العربي المعاصر، هو أستاذ في السياسة وفي الثقافة وهو بوصلة الروح العربية المعاصرة، وسيظل هذا الإسم بيرقاً علماً خافقاً في سماء العروبة إلى أبد الآبدين، بما قدّمه من فكر نيّر وانفتاح وقدرة على التواصل والتآخي بين الأصالة والحداثة، بين التاريخ والمستقبل. ونعده ونعدكم ونعد الشعب اللبناني وقواه الطليعية ان نكون دائماً عند حسن ظن الروح الجنبلاطية والعقل الجنبلاطي. ونعتز بأن اسم كمال جنبلاط يتصدر مدارس شعبنا وملاعبه الرياضية والنوادي في الضفة والمثلث والجليل وفي جبال الكرمل.

وختم الشاعر سميح القاسم بالقول: نحن نعتز بهذه الشخصية الوطنية الفذّة. ونحفظ ذكراها وتاريخها في قلوبنا وتاريخنا ووجداننا.

فتحية من القلب لمكملي المسيرة، للسائرين على طريق كمال جنبلاط... وأبداً على هذا الطريق.

في كل كتاباته وندواته وخطبه شدد كمال جنبلاط على ان المهمة الاساسية والعملية للحزب التقدمي الاشتراكي هي بناء مجتمع اشتراكي في لبنان، مستند إلى مبادئ المساواة والحرية والعدالة الاجتماعية والتضامن الاخوي بين المواطنين.

وأكد على ان هذه المبادئ ليست من اختراع أحد بل هي وردت أو ظهرت بهذا المقدار أو ذاك، في الديانات التي أبصرت النور منذ فجر التاريخ البشري... فلقد اتسمت بصفة الاشتراكية الوحدات الرسولية في أوائل أيام الكنيسة المسيحية، وكذلك الجسم الاقتصادي والاجتماعي للإسلام في بداياته... كما ان الجمعيات والتنظيمات البوذية والكنفوشية في الهند والصين وسواهما تتسم بروحية الإشتراكية والمشاركة وروح الجماعة.

...وأبداً على هذا الطريق... فالحياة إنتصار للأقوياء في نفوسهم لا للضعفاء... والحياة انتصار للشعوب المناضلة، للوطنيين المناضلين الشرفاء، لا للدمى والعملاء الصغار من اتباع أنظمة القهر والاستبداد، أعداء الشعوب وحقها في الحياة الحرة المعافاة.

وحسبنا أننا نعيش زمن المنطق المغيّب والذاكرة الوطنية المفقودة.