فلنقرأ كمال جنبلاط مجدداً!

أفضل تكريم للمفكّر والقائد الإشتراكي العالمي كمال جنبلاط وبعيدًا عن العاطفة، هي في العودة إلى قراءة مؤلّفاته وكتبه، وإلى إستحضار آرائه الإصلاحية وأخصّها ذكرًا، مجموعة مواقفه العتيدة والمنشورة في مؤَلف "آراء وكلمات في البرلمان اللبناني"، حيث نقف أمام محطاته الفكرية لنتقرّب أكثر من فكره فنتعرّف على نوافذ إشتراكيته الأكثر إنسانية.

هي حقائق منصوصةٌ نصًا؛
هي حقائق محفورةٌ حفرًا لما يتعدى الحرف؛
هي حقائق توثّقت رسميًا في جلساتٍ برلمانية وتحت قبّة بيت اللبنانيين الرسمي.
حقائق لا يمكن لأحد أن ينكر أو أن يتنكّر لها؛
حقائق حدودها ذاكرة التاريخ، ومداها وسعة المستقبل ووقائع الجغرافيا. تاريخ وطنٍ وأمة في جغرافية الزمان والمكان.
إنها حقائق توثّقت بحرفيتها ومعانيها في مخزون الذاكرة لتشرق وتنتج دروسًا وعبر نحو الديمقراطية الجديدة، تُظهر وقفات ذاك الإنسان الذي تعملق في شؤون وشجون شتّى لا حصر لها سواء على صعد السياسة الداخلية والخارجية وفي الإجتماع والإقتصاد والأدب والشعر وشتّى مناحي أدب الحياة، هو كمال جنبلاط.
وفي ذكرى رحيل الرجلِ الرجلْ، ما يوجب أن نقف بجلالٍ ووقار وفي عقولنا غرْسٌ زُرِع فينا من تواضعية الكِبَر أمام حضرة كلماته تتوهّج فيها رحاب نورانية ومسالك العرفان في آرائه والتي تناول فيها الكثير من أمراض الزمن البائد في محاولاته النضالية لصلاح الحاضر المؤسف، والتي جالت بخواطره فعبّرت عن لبناننا في واقعه العربي ومرتجاه: في العقلانية السياسية، في الإجتماع، وفي الفكر الإقتصادي المعاصر والمالية العامة، كما وفي قضايا هموم الشباب..، جاهدًا بالفكر والقول والعمل نحو التصويب والترشيد لتكون مدارك وأسسٍ في خدمة مجتمع العمال والفلاحين والشباب بما إتّسمت شخصيته الفذّة بطابع الحضارة التقدمية في بعدها الفلسفي والوطني والعقائدي، وبرسالته في العدالة الإنسانية. ليتأكد المؤكد من عدم تكرارها كل قرنٍ من الزمن، ليكون الشاهد على العصر.

رجلٌ، أرسى منهاجًا فكريًا لتاريخ الإقتصاد في بعده الإنساني، حين حمل هموم الشعب بطبقاته الفقيرة المعدمة من فلاحين وكادحين مطالبًا بتحسين أوضاعهم ورفع مستواهم الحياتي، وإشراك العامل في الإنتاج. فكان حقًا "أبًا للمساكين".

رجلٍ، حمل هموم السياسة من أجل لبنان ومن أجل المستقبل في محاولة تقويمها داخليًا بقناعته الراسخة أنها فن قيادة الرجال، ليترسخ فينا هذا اللبنان كوطنٍ نفديه لا ملجأ نرتضيه.
وخارجيًا ، حينما سلّط أضواءه على القضية القومية بحمله أسمى قضاياها وهي القضية الفلسطينية قضية شعبٍ... وتاريخ وطن، مساهمًا فعّالًا في حركات التحرر الوطني، فتجلّت إبداعاته في تراث عربي قومي تقدمي يسهم في البلوغ إلى مراقي الأمم، تمثّلت في تحفته الغالية عليه ألا وهي "الجبهة الإشتراكية الوطنية"، مثلما "الجبهة العربية المشاركة في الثورة الفلسطينية"، وإبداعية "الحركة الوطنية اللبنانية"، كما وبارعة العمل الثوري المتمثلة بقيام "جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية" من قلب دار الكمال.

حمل هموم المجتمع في نواحيه الإجتماعية من ترشيد الطبابة والإستشفاء، وفي حوكمة مشاريع الضمانات الإجتماعية بسعيه لترسيخ صنوّ العدالة الإجتماعية، فكانت ثورة في عالم الإنسان.

حمل هموم الأجيال الطالعة في وضعه معايير رشيدة للثقافة والتعليم وبتمنياته لإنسان الغد. كما وهموم الكادحين في تأطير الزراعة والصناعة بأطر ومعاني الإشتراكية، وفي دمقرطة النظم الضريبية بما تعنيه معاني التقدمية والتي تعدل خير عدلٍ بمبدأها "لكل حسب طاقته".
حمل هموم المواطنين في الإنتاج والإستهلاك في مبدأه "لكل حسب حاجته". وكل ذلك في محاولاته لتقريب وترسيخ مبدأ العدالة الإقتصادية.
وقف ممانعًا في وجه الرأسمالية المتوحشة ومجادلًا بالبراهين لطغمة شياطين المال والتجّار الإحتكاريين، الذي عبّر عنهم من أن التجّار إنما وُجدوا لخير المواطن وليس العكس من أن يكون المواطن في خدمة التجّار.

فلتبقى آراءه نبراسًا وقّادًا تتوقّد في وعينا مبادىء ونلوذ إليها أهدافًا، فنحمل مسؤولية بعثها ضمن منظومة حزبنا التقدمي الإشتراكي. وبها ومنها: نكون أو لا نكون.
ولتبقى كلماته وقودًا لإستكمال مسيرة الحزب النضالية، لتضحي إرثًا لنا ليكون بمثابة "صك وصية" نورثها لأبنائنا.

وأجمل الكلام وأعذبه، أن نردّد عنه: "إذا أردنا أن نكون إشتراكيين، يجب أن تكون لنا شخصيات إشتراكية".