جنبلاط والكيان

23 شباط 2021 15:55:28

 من حق وليد جنبلاط أن يطرح الكيان اللبناني كأولوية بعد تفجير مرفأ بيروت، ومعه تفجير المئوية.

 استشعر جميع اللبنانيين، منذ تلك البرهة النووية، أن التفجير الرهيب يريد الإطاحة، أولاً بأول، بالكيان اللبناني.

 جميعهم فهموا الرسالة الرمزية المغلّفة بالتفجير النووي بإبادة الكيان.

جميع اللبنانيين، شعباً ومسؤولين، أحسّوا، وبالمحسوس الملموس، أنّ التفجير إنما هو الإنذار الأخير، ولا ضرورة لبعث رسالةٍ أخرى، باعتبار أن من لم يفهم بعد إنمّا يعيش خارج الزمان، وخارج المكان.

 ليس من مسؤولٍ سياسي تحرّك كما تحرك وليد جنبلاط. ولو كان هذا "التفجير" رجلاً لنزل إليه، ولم ينهض عنه، قبل الإجهاز عليه. 

غير أن "التفجير"، هو "دولتي"، ولهذا ينادي، في نادي السياسة اللبنانية عليه.

 لماذا يقدّم وليد جنبلاط الكيان في جميع مقدّمات حواراته السياسية، وربما العاطفية أيضاً.

 لماذا برز وليد جنبلاط صقراً يحلق فوق لبنان، في برهة الإنفجار الرهيب؟
 لماذا خرج وليد جنبلاط على العالم، بهذا الصوت الأقوى من دوي المرفأ؟ 
 لماذا ارتفعت نبرته، وعلت عقدة غضبه جبينه، وما عاد يهدأ، عندما حادثه محدّثه في أي شأن؟

  يعتبر وليد جنبلاط أن الكيان اللبناني، هو سقف منزله. هو سقف موطنه. هو سقف أهله، هو سقف اللبنانيين، حينما كان اللبنانيون لا سقف عليهم.

يبادر وليد جنبلاط، في كل حديث معه، بعد انفجار المرفأ، للبحث عن أمه وأبيه وصاحبته وبنيه. يقول ذلك جهاراً ونهاراً قولةً واحدة: من حقّي أن أسأل بعد الانفجار، عن الدار. من حقي أن أسال عن الكيان.

 ومهما تشعّب الحديث. ومهما طال عليه، يعود وليد جنبلاط إلى "بوصلة الوقت"، غروب الرابع من آب العام 2020، الذي يختم المئوية الضائعة في الجبل الشمالي عن الكيان الذي لا يضيّعه، الجبل الجنوبي، في رأس المئوية الطالعة.

مصاب وليد جنبلاط بضياع الكيان هو بالنسبة له، خلافاً للكثيرين، أعظم مصاب يبتلى به، إذا نجح "الدولتيون" المجانين، في تفجير الكيان.

كل صباح، يقف وليد جنبلاط على شرفة المختارة، يرسل الصقر بعينيه، يسأل عن الكيان.

من حقّه أن يحفظ الإرث: إرث بني معروف، في تأسيس الكيان. وبناء لبنان إمارةً درة، حين كانت الإمبراطوريات، تجرجر عرباتها، فوق السهول، وفوق الهضاب.

وليد جنبلاط، ليس واحداً من اللبنانيين، ليس واحداً من المسؤولين، ليس واحداً من اللّاهثين في الهيكل، وإنما عمود سماء، فوق رؤوس اللبنانيين.

 وليد جنبلاط، لا يريد أن يضيّع الكيان بين الجبهات الداخلية والخارجية. لا يريد لأهله أن يخرجوا للتيه. لا يريد أن يضيع الناس في البحث عن قمح العيون، وقمح القلوب، وقد سرق منهم الحقل والدارة والطريق.

وليد جنبلاط، في برهة التجلي، غيره في برهة التخلي. همّه أن يحفظ الكيان. همّه أن يحفظ لبنان، ولو كره "الدولتيون".


* أستاذ في الجامعة اللبنانية

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".