قطار المجانين في بلدٍ يحتاج لرجاحة العقل

20 شباط 2021 12:40:00 - آخر تحديث: 21 شباط 2021 13:17:39

اللّهم أودِع في قلوبنا ما يشغلنا بك،
وأودِع في عقولنا ما يهدينا إليك.
نستغفرك استغفاراً يطهّر النفوس من أوزارها...

اللهم... إن رأيتَنا نمشِي في خُطى البعد عنّك صحّح مسَارنا، ورُدنَّا إليكَ رداً بعقلٍ راجحٍ...

رواية منقولة في عام 1960، حصلت في إحدى البلدات في مستشفى الأمراض العقلية. وبنتيجة إهمال الحرس الخاص بالمستشفى تمكّن 243 مجنوناً من الهرب إلى شوارع البلدة، مما أدى إلى حدوث مشكلة كبيرة، فاستدعى المدير الإداري طبيب المستشفى فوراً طالباً منه حلاً سريعاً للمشكلة.  

وعلى الفور أحضر الطبيب "المكلّف" صفّارة، وطلب من المدير وبعض الموظفين المتواجدين أن يمسكوا به من الخلف، ويلعبوا لعبة القطار، ثمّ خرجوا إلى شوارع، والطبيب  يصفّر وينادي (توووو....ت ..تووووو....ت..) وهو يمثِّل رأس القطار ومن خلفه (المقطورات) كل واحد يمسك بالثاني. وما توقّعه الدكتور حصل، لأنّ كل مجنونٍ هاربٍ ركب في القطار الوهمي...

 ونجح في جمع المجانين، وذهب بهم إلى المستشفى وحُلّت المشكلة. فرِح المدير الإداري والعاملون، وشكروا الطبيب  على حسن تصرفه واستيعابه للمشكلة.

لكنّ المفاجأة والمشكلة وقعتا في المساء عندما تفقد المدير والطبيب المجانين الذين جاؤوا مع القطار ووصلوا المستشفى، وكان عددهم 412 مجنوناً، علماً بأن عدد الهاربين كان 243 مجنوناً فقط...

يتساءل أحدهم، ومعه نسأل، لو صارت هذه الحادثة في هذه الأيام كم نتوقّع أن يكون عدد العائدين الذين يركبون القطار؟؟!!

نعم.. الجنون أصبح عنواناً لأكثرية الشعب لأنها أختزنت بفيها حروف الوجع وأبجدية الآلام...

للأسف أن تصبح هذه هي حقيقة المشهد اللبناني المؤلم، على الوطن وشعبه وكيانه...

وها هو الحال منذ سنوات. وبين الحين والآخر تأتي الخطابات المتعالية،  والتراشق الكلامي اللّا- عقلاني، لنراها ونسمعها، وبدون استئذانٍ تداهم أبصار وأذان المواطنين، وبدون رحمة، وتحولّهم إلى مجانين، ومهاجرين،  ومكبوتين بضياع حالهم وحاضرهم، ومستقبل أولادهم، ولقمة عيشهم، وباب رزقهم الحلال، والعيش بهناء...

وكيف الاستحصال على اللقاح من الوباء... ومعها وبكل استحقاق، أو تأليفٍ وتشكيل، تأتي المصالح والأنانيات والأحلاف، والتحالفات، ولا ترحل إلّا وتاركةً خلفها ركام ورائحة دمارٍ معنوي ومادي كبير، لا تفريق بين من يعنيه الموضوع، أو مَن لا يعنيه، إلّا القلق على الوطن والمصير.

ويعود السؤال لماذا يصبّون جام حقدهم بنبش التاريخ ليصلوا إلى موقعٍ أو كرسيٍ من هواجسهم، ويجعلوا من الوطن مسرحاً عبثياً لتجاربهم الفاشلة المتلطخة بإفقار الشعب، وتجويعه، وهلاكه، وهجرته، وجنونه، وتشريده، وانتحاره...

وللأسف هذه رؤية لما آل إليه الشعب، ولما حلّ به، وخاصةً حال بلدنا ضمنياً من جنونٍ، وفقرٍ، وضيق الحال، والضياع لأغلبية شعبنا، وزمرة من انتهازيين تبحث عن مكتسبات لها.

ويبقى الرجاء في وطن الرجاء أن يصل دعاء المقهورين والمستضعفين بتنهيدةٍ تصل إلى السماء علّها تعود ومعها الطمأنينة وراحة البال.

الحمد للّه... لنا ربٌ ندعوه فيجيبنا، ونطلبه فيعطينا، وننكسر له فيجبرنا، ونخضع له فيعزّنا، ونستجير به فيُجيرنا، وأبوابه في كلّ وقتٍ مفتوحة، ويداه في كل حالٍ مبسوطة، ولا يكِلُنا إلى سواه..

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".