هل من علاقة بين تصاعُد العنف في أفغانستان والملف النووي الإيراني؟

18 شباط 2021 07:56:00 - آخر تحديث: 18 شباط 2021 07:56:25

تزايدت أعمال العنف في أفغانستان منذ مطلع شهر شباط (فبراير) الجاري وهي تترافق مع حِزمة غليظة من الأنشطة العدوانية والإرهابية تشهدها دول متعددة في المنطقة. ويبدو أن هذا التصعيد مترابط وليس بمحض المصادفة، ذلك أنه يحصل منذ بُعيد تولّي الرئيس جو بايدن مقاليد الحكم في الولايات المتحدة الأميركية. ويمكن إدراج مجموعة شواهد من هذه الأفعال الجديدة التي حصلت، منها تصاعد العدوان على المُنشآت المدنية السعودية، والعمليات الإرهابية والاغتيالات التي حصلت في العراق وفي لبنان، ومحاولة استهداف السفارة الإماراتية في أديس أبابا، والتفجيرات المتنقلة في مناطق متعددة من أفغانستان وآخرها العملية الأمنية التي طاولت 500 صهريج أفغاني محمَّلة بالمحروقات بالقرب من الحدود مع ايران. كما أن تبادل الرسائل الأمنية بين إسرائيل وإيران فوق الأراضي السورية يمكن أن يكون من ضمن حلقة التصعيد ذاتها. ويظهر أن قوة خفية - أو معلومة - تريد القول للرئيس بايدن، إنها تملك المفتاح السحري لإنتاج التوتر او لصناعة الاستقرار في المنطقة برمتها، وعلى إدارة بايدن التفاوض معها للوصول الى النتيجة المرجوة، وإيران هي الجهة المعنية أكثر من غيرها بهذه المقاربة، بل وربما تكون الوحيدة القادرة على لعب هذا الدور.

 

ما كشفته الوثائق الأميركية عن العلاقة القديمة التي كانت تربط قيادات "القاعدة" مع "الحرس الثوري"، أضفت صدقية على بعض التحليلات السياسية التي كانت تربط بين بعض الأعمال الإرهابية التي تحصل وبين المواقف الإيرانية... ذلك حصل قبل التوقيع على الاتفاق النووي بين إيران من جهة والولايات المتحدة الأميركية ومعها الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن + المانيا من جهة ثانية عام 2015، وبرز تنظيم "داعش" الإرهابي بقوة على الساحة قبل ذلك الوقت، خصوصاً في العراق وسوريا، وفي التوقيت ذاته أيضاً؛ تمادت المنظمات اليمنية المتطرفة في أعمالها العسكرية، وقوَّضت مؤسسات الشرعية المنتخبة في صنعاء، ما أجبر التحالف الدولي بقيادة المملكة العربية السعودية للتصدي لها وإطلاق حملة عسكرية لم تتوقف حتى الآن.

 

الاتفاق الذي حصل بين إدارة الرئيس دونالد ترامب وحركة "طالبان" الأفغانية بوساطة قطرية في 29 شباط (فبراير) 2020، تضمَّن الموافقة على وقف لإطلاق النار بين ميليشيات "طالبان" وقوات حكومة الرئيس أشرف غني المدعومة من القوات الأميركية، على أن تنسحب هذه القوات التي يقودها حلف الأطلسي بحدود شهر أيار (مايو) 2021، بعد تشكيل حكومة أفغانية جديدة تضمّ ممثلين عن "طالبان" وعن كل المجموعات العرقية الأفغانية.

 

تصاعدت أعمال العنف في أفغانستان منذ ما يقارب الشهر على وتيرة غير مسبوقة، من خلال هجمات استهدفت قوات الحكومة، وانفجارات طاولت مساجد وصحافيين وناشطين في مجال حقوق الإنسان، وحصلت ردود على هذه الهجمات من قبل قوات الحكومة في المناطق الشمالية والجنوبية، وأسفرت هذه الأعمال الأمنية عن سقوط عشرات القتلى والجرحى وتدمير منشآت ومبانٍ مختلفة، وأربكت حكومة أشرف غني التي لا تسيطر على أكثر من 50 في المئة من أراضي البلاد.

 

وسط هذه التطورات القاسية التي شهدتها الساحة الأفغانية؛ كان مفاجئاً العرض الذي أعلن عنه وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف، وتضمَّن الاستعداد للتوسُّط بين حركة "طالبان" والحكومة الأفغانية لخفض التوتر. وسبقت ذلك زيارة قام بها وفد رفيع المستوى من حركة "طالبان" الى طهران في نهاية كانون الثاني (يناير) الماضي. والمفاجأة الأخرى كانت بإعلان المتحدث باسم حركة "طالبان" سهيل شاهين من طهران أيضاً؛ أن الحركة ستعتبر القوات الأميركية والأطلسية المتبقية في أفغانستان والبالغة 10 الآف ضابط وجندي، بمثابة قوات احتلال، وستعاود قتالها كما كان عليه الوضع منذ 20 عاماً، وذلك إذا لم تنسحب قبل شهر أيار (مايو) المقبل، وهذه المواقف "الطالبانية" الجديدة لا يمكن فصلها عن التوجهات الإيرانية إطلاقاً. علماً أن حركة "طالبان" التي أحتضنت منظمة "القاعدة" الإرهابية، كانت في السابق عدواً لدوداً بالنسبة إلى إيران كما كانت تُعلن هذه الأخيرة.

 

الأمين العام لحلف الأطلسي ينس ستولتنبرغ، قال، إن "طالبان" لم تقطع علاقاتها مع المنظمات الإرهابية، ولم تلتزم وقف إطلاق النار، وأعمالها قد تُهدِّد الحكومة الأفغانية، ما يدفع حلف الأطلسي لإعادة النظر باتفاق الدوحة وعدم الإنسحاب من البلاد كما ذكر الاتفاق. وسبقت موقف ينس توصية تقدمت بها اللجنة المكلفة من الكونغرس الأميركي بدراسة الوضع في افغانستان، وقضت بالطلب من إدارة الرئيس بايدن بتأجيل إنسحاب القوات الأميركية، في انتظار حلّ الإشكاليات الواسعة التي جاءت في اتفاق الدوحة، خصوصاً أن تطبيق بعضها يحتاج لتعديل الدستور، لا سيما موضوع دمج قوات "طالبان" بالجيش، وإشراك مندوبين عن "طالبان" صدرت بحقهم أحكام بالسجن في الحكومة المُزمع تأليفها، والواضح أن طهران تحاول الإستفادة من هذه الشوائب واستثمار الملف الأفغاني في مفاوضاتها المرتقبة مع واشنطن.

 

مجموعة من المعطيات تؤكد ترابط التصعيد الأمني في المنطقة، والهدف إعلاء سقف الشروط بوجه الإدارة الأميركية الجديدة، وإيران هي القادرة على رعاية هذا التصعيد وهي المستفيدة منه في آن، لإبراز مكانتها المؤثرة في الوضع برمته. ومجلس الشورى الإيراني كان قد طلب من الحكومة التحلَّل من التزاماتها في الاتفاق النووي قبل 21/2/2021، إذا لم ترفع الولايات المتحدة العقوبات المفروضة عليها، وطهران أعطت الوسطاء الأوروبيين وروسيا مهلة قصيرة للحصول على أجوبة عن طلباتها.

 

ملف أفغانستان من أخطر الملفات في العالم منذ ما يُقارب 40 عاماً، وكان سبباً لأهم أحداث القرن حتى الآن، عنيت تفجيرات 11 ايلول (سبتمبر) 2001، وبلاد الجغرافيا الوعِرة كانت ساحة تجارب كبرى لروسيا ولأميركا ولجيرانها الأقوياء، لكن القاعدة المُستخلصة من تجارب التاريخ: أنه لا يمكن لأي متدخِل أن يخرج منتصراً من أفغانستان، فهل يُكتب للمنازلة الإيرانية الجديدة مع الولايات المتحدة الأميركية النجاح، بعد أن تبين بوضوح أن طهران تحاول الاستفادة من الساحة الأفغانية لتقوية موقفها التفاوضي مع واشنطن، بعد أن بدأ دورها يتراجع نسبياً في العراق وسوريا ولبنان؟