عون يُريد "محاسبة" برّي والحريري وجنبلاط... بـ"الحزب"

15 شباط 2021 10:28:17

لم ينجح رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون في إقناع الأمراء السبعة في لبنان بتذليل العقد التي لا تزال تحول دون تأليف حكومة تخلف حكومة الرئيس حسّان دياب المُستقيلة منذ أشهر، وتعمل جديّاً على معالجة الأزمات الداخليّة المُتنوّعة ولا سيّما بعدما بلغت حدّاً من الخطورة والتعقيد يُنذر بانفجار وبانهيار وبفوضى في كل المجالات. ظهر ذلك واضحاً بعد الزيارة الـ15 التي قام بها الرئيس المُكلّف سعد الحريري لرئيس الجمهوريّة ميشال عون يوم الجمعة الماضي. إذ أنّ مدَّة الزيارة كانت نحو نصف ساعة أو أقل. وهي طبعاً ليست كافية لغسل قلوب مُحتقنة وناقمة وحاقدة وعاتبة ومُصمّمة على مُتابعة المُنافكة والقتال إذا جاز التعبير. وليست كافية أيضاً لبحثٍ في العمق في أسباب أزمة التأليف ولمحاولة بدء تفاهم على حلِّها وإن تدريجاً. لكنّها كانت كافية لتسليم رئيس الدولة "تشكيلة حكوميّة رسميّة" لا تختلف عن التشكيلة غير الرسميّة التي اقترحها عليه في الزيارة الـ14 وربّما في الزيارات التي سبقتها. فاعتبر عون أنّ الهدف منها هو إحراجه إذ أنّ الحريري سيقول لاحقاً أنّه قدّم للرئيس تشكيلةً لكنّه أبقاها في "جارور" مكتبه، إذا لم يتبنّاها ويُصدر مراسيم تأليفها. لذلك أعادها إليه طالباً منه إعادة النظر فيها. كما كانت الزيارة الأخيرة كافية لإبلاغ اللبنانيّين أنّ الأزمة الحكوميّة "مطرحك يا واقف"، وأنّ رئيس الجمهوريّة لن يتنازل عن حقّه الدستوري في الاشتراك في عمليّة التأليف. كما أنّ الرئيس المكلّف لن يقبل أعرافاً يُحاول الرئيس فرضها تُخالف الدستور إذ أنّ هدفها استعادة صلاحيّات له ما عادت فيه.

ماذا سيحصل بعد ذلك؟ المواقف التي أعلنها الرئيس المُكلّف بعد خروجه من مكتب رئيس الجمهوريّة أظهرت تمسُّكاً بوجهات نظره الحكوميّة، كما أظهر البيان الموجز الذي صدر عن قصر بعبدا تمسُّكاً مُماثلاً عند سيّده. الشيء الوحيد الذي يمكن استنتاجه هنا من هذا العناد الثنائي أنّ صاحبَيْه لا يُقيمان وزناً للوضع "الخربان" في البلاد، ولا يبدوان مُقتنعَيْن بأنّ انفجاره سيُطيحهما معاً كما سيقضي على آمال الناس في فرج يُخرجهم من ضيقٍ خانق جدّاً.

في هذا المجال تُشير معلومات مُتابعين من قرب للوضع اللبناني وللجهات السياسيّة المؤثّرة فيه وأبرزهم "حزب الله" إلى أنّ ما يُعلن من أسباب للخلاف بين عون والحريري لا يُطابق أحياناً الأسباب الفعليّة. فالأوَّل لا يزال مُتمسّكاً بحكومة من 20 وزيراً وبـ"ثلث معطّل" يعتبره البعض ضامناً وبوزارة العدل. والثاني مُتمسَّكٌ بحكومة من 18 وزيراً ورافضٌ أي "ثلث معطّل" ومُتردّد في موضوع وزارة العدل. إذ أنّه يخشى أن يستغلّها رئيس الدولة و"تيّاره" السياسي ورئيسه لفتح ملفّات تطال أعداءهم، أو بالأحرى لـ"فبركة" ملفّات كهذه. وهو مُتمسِّكٌ أيضاً بموقف ثابت لا عودة عنه هو عدم الاعتذار عن تأليف الحكومة ورد التكليف إلى صاحبه، ولو دامت هذه "المسرحيّة السوداء" أشهراً أخرى وربّما حتّى نهاية الولاية الرئاسيّة لعون. هذه معلومات موثوقة وثابتة وتنقض النفي الذي لم يملّ رئيس الدولة ورئيس "تيّاره" النائب جبران باسيل على نفي وجوده. هذا الأمر يدفع الناس إلى طرح سؤال مهمٍّ جدّاً هو الآتي: "حزب الله" هو الفريق الأقوى في البلاد، إذ أنّه يُمثّل وشريكه في "الثنائيّة الشيعيّة" "حركة أمل" غالبيّة واسعة جدّاً من "الشعب الشيعي". كما أنّه يمتلك جيشاً قويّاً لا تجوز مقارنته بالقوّات العسكريّة والأمنيّة اللبنانيّة وترسانة أسلحة مُتنوَّعة تُخيف إسرائيل أو تُقلقها، هي التي أخافت العرب وهزمتهم أكثر من مرّة منذ استيلاءها على فلسطين. هذا فضلاً عن خبرته العسكريّة في حرب سوريا والعراق واليمن وفي فلسطين وخبرته الأمنيّة في المنطقة والعالم. عوامل قوّته هذه تجعله الدولة الواقعيّة في لبنان وتجعل دولة الأخير الرسميّة المُنقسمة دولاً ثلاث تحت سيطرته أو على الأقل نفوذه. في ظلّ ذلك لماذا يتحاشى "حزب الله" الانخراط جديّاً في حلّ الأزمة الحكوميّة وإن بممارسة الضغوط سواء كانت ترغيباً أو ترهيباً على حليفه عون و"تيّاره" السياسي الذي ما كان في بعبدا لولاه، وما كان لصهره المُدلّل أن يُصبح وليّ عهد غير رسميّ له، وأن يمتلك إمكانات كثيرة كانت غير متوافرة له سابقاً؟ ولماذا يتحاشى "حزب الله" أيضاً انخراطاً مماثلاً مع الرئيس المُكلّف سعد الحريري الذي تربطه به علاقة "جيّدة" سمّاها الطرفان "ربط نزاع"، والذي أصرّ هو على تكليفه ولا يزال مُتمسِّكاً به وغير متخلٍّ عن عون وداعياً الإثنين إلى التفاهم؟ فضلاً عن أنّ الثلاثة أي "الحزب" وعون والحريري كانوا أبطال التسوية التي أوصلت الثاني إلى رئاسة الجمهوريّة وأعادت الثالث إلى رئاسة الحكومة (ومعهم رئيس "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع والزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط). طبعاً كان للتسوية نفسها أبطال آخرون لكنّهم خرجوا منها من دون أن يعتذروا للبنانيّين عن خطأهم الرئاسيّ الكبير الذي أوصل عهداً لم يبدأ بعد فعليّاً رغم انقضاء 4 سنوات عليه. علماً أنّه قد لا يبدأ أبداً وقد تنتهي معه مؤسّستان دستوريّتان أُخريان هما مجلس النوّاب لتعذّر إجراء انتخابات نيابيّة ومجلس الوزراء لتعذُّر تأليف حكومة. عن هذا السؤال المُتشعِّب يُجيب المُتابعون من قرب أنفسهم للوضع اللبناني وللجهات السياسيّة المؤثِّرة فيه وأقواها "حزب الله" بالقول: "الحزب لا يفرض شيئاً على حلفائه. الرئيس عون ورئيس تيّاره السياسي ونسيبه في آن جبران باسيل لا يريدان فقط محاربة الفساد بواسطة المحاكم والقضاء كما بواسطة التحقيقات الإداريّة في المؤسّسات و... بل يريدان تحديداً محاسبة رئيس "أمل" ومجلس النوّاب نبيه برّي، ورئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري وهو أيضاً رئيس مُكلّف، وسبق أن ترأّس أكثر من حكومة، والزعيم الدرزي الأبرز. الإثنان أي عون وباسيل يريدان "الحزب" معهما في هذه المحاسبة أو المعركة إذا جاز التعبير على هذا النحو و"الحزب" لا يستطيع ولا يريد". لماذا؟