بين المختارة وقريطم معمودية مشتركة لأجل لبنان... ومسيرة من وقف الحرب إلى الإستقلال الثاني

14 شباط 2021 14:47:14

مع كل إطلالة لذكرى 14 شباط، تضج الذاكرة بسيل من المحطات التي كان حاضرا فيها الرئيس الشهيد رفيق الحريري منذ مطلع الثمانينات، كما العلاقات التي جمعته بالقوى السياسية والتي أخذ بعضها بعداً أعمق من التحالف السياسي، ومنها العلاقة المميزة التي جمعته برئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، التي بدأت مع وصول الشهيد الحريري الى بيروت موفداً من قبل المملكة العربية السعودية ساعياً من أجل إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية، وإيصال الأفرقاء المتقاتلة إلى نقطة تلاقٍ، منطلقاً في ذلك بدعم عربي لبناء الدولة وإعادة لبنان إلى خريطة العالم العربي والمجتمع الدولي.

تميّزت العلاقة التي جمعته بجنبلاط بطابعها الخاص، وصولا الى العام 2004 وتحالف الرجلين وخوضهما أقسى المعارك السياسية بوجه الوصاية السورية من أجل تحرير لبنان وتحقيق الإستقلال الثاني.

العلاقة بين الحريري وجنبلاط تعود الى مطلع ثمانينات القرن الماضي، حين كان الشهيد الحريري موفداً من الملك السعودي فهد بن عبد العزيز إلى لبنان، فتواصل مع مختلف الأفرقاء السياسيين المحليين، كما ومع السوريين، وحاول جمعهم على نقاط مشتركة لوقف مسلسل سفك الدماء وإنهاء الإقتتال. ومن بين الشخصيات التي إلتقاها، كان وليد جنبلاط، فتوطّدت العلاقة بينهما وتطورت أكثر كلما تعمّق الحريري في صلب الأزمات، حتى وقف الأخير والمملكة العربية السعودية إلى جانب جنبلاط في حرب الجبل، وبعد الإجتياح الإسرائيلي لبيروت.

بُعيد الإجتياح، وضع الحريري مخططاً لإعادة إعمار بيروت جراء الدما، الذي خلّفته قوات الإحتلال، لكن الحرب خيّبت أمله واستمرت. فشارك في مؤتمري جنيف ولوزان، في العامين 1983 و1984، وكان له دورٌ في الإتفاق الثلاثي في العام 1985، في إطار عمله لإنهاء الحرب، وكان له مساعٍ مهمة جداً، لكن الظروف لم تسمح بالوصول إلى حل، ما حتّم إكماله دوره الأساس، وبالتالي إستمرار تواصله مع القوى اللبنانية وتوثيق العلاقة أكثر بوليد جنبلاط.

في العام 1988، يوم إنتهت ولاية الرئيس أمين الجميل، وتقرر تكليف ميشال عون، قائد الجيش آنذاك، لرئاسة الحكومة، دخل لبنان مرحلة جديدة من الحروب العشوائية المدمرة التي كان عرّابها عون، ما أدى إلى تأجيل إنهاء الحرب اللبنانية عاماً إضافياً، وتعميق جراح لبنان وبيروت أكثر إثر المعارك العبثية التي خاضها الأخير مع مختلف القوى السياسية. 

السعودية والدول العربية، لم يتخلّوا عن لبنان، فتابعوا المساعي من أجل الوصول إلى إتفاق سياسي، حتى تم توقيع إتفاق الطائف في عام 1989، حينما إستطاع رفيق الحريري، برفقة آخرين، وبدعم عربي، من هندسة الإتفاق، نسبةً لتراكم خبرته في مجال العمل الدبلوماسي في لبنان، وإطلاعه نتيجة محاوراته على كل الأوراق التي تم تقديمها في المؤتمرات السابقة، فتم توقيع الإتفاق الذي كان من المفترض أن ينهي الحرب، لكن حالة التمرد التي إبتدعها عون إثر رفضه الإتفاق أخرت النهاية، إلى أن تكونت ظروف إنهاء التمرد وإعادة بناء الدولة، فترك عون قصر بعبدا وتوجّه نحو السفارة الفرنسية ومن ثم إلى باريس.

في تلك المرحلة، لا يمكن نسيان دور الحريري في إنتخاب الرئيسين رينيه معوّض وإلياس الهراوي الذي مكث فترة في مبنى ملكه الحريري في بيروت بسبب وجود عون في بعبدا.

في العام 1992، وإثر تكليفه برئاسة الحكومة بعد وصول البلد إلى مشارف الإنهيار المالي والإقتصادي الذي شهده لبنان آنذاك، وتراجع قيمة العملة بسبب إرتفاع سعر الصرف، إنطلقت حقبة جديدة بين الحريري وجنبلاط، مع مشاركة الأخير في مجلس الوزراء، وخاضا معاً غمار العمل الوزاري والمؤسساتي اليومي والسياسي، وكان الرجلان في حالة تشاور دائم إستمرت حتى عشية الإغتيال.

تميّزت العلاقة بكثير من التعاون، وبكلام إستراتيجي أطلقه الحريري أثناء زيارته قصر المختارة عن موقفه من جنبلاط، إذ كان يرى موقعه الأساسي ركيزة الحياة السياسة اللبنانية، وكان يناديه "أمير الجبل". من جهته، كان جنبلاط يقدر كل الجهد الذي كان يبذله الحريري في سبيل الوطن.

التباينات لم تكن غائبة عن العلاقة رغم التقارب السياسي، فقد كان لوليد جنبلاط ملاحظات على البرامج الإقتصادية والرؤية التي وضعها الحريري، والتي لم يرها تنسجم مع توجّهات الحزب التقدمي الإشتراكي، من خصخصة القطاع الخاص إلى بيع أملاك الدولة، وذلك بسبب إختلاف المدارس الإقتصادية التي إنتمى إليها الرجلان. وإنسحب هذا التباين أيضاً على العمل السياسي اليومي حول بعض الملفات وأخذ في بعض الأحيان طابع الحدّة، لكن الأمور كانت تعود إلى مجاريها لأن ما كان يجمعهما من ثوابت كان أكبر بكثير، آخذاً جنبلاط بعين الإعتبار الضغوط التي مارستها سلطات الوصاية السورية على الحريري سواء في الحقل السياسي أو الإقتصادي الإجتماعي.

وفي فترات الإختلاف في وجهات النظر، إتخذت العلاقة شكل لفت النظر أو التحذير من نقاط معينة. ثم حصل انتخاب إميل لحود رئيساً للجمهورية في الـ1998، وقد صوّتت كتلة الحريري في حين أن الحزب التقدمي الإشتراكي لم ينتخبه، إلّا أن لحود رفض تولي الحريري رئاسة الحكومة رغم إنتخاب الأخير له، فإنضم الحريري إلى المعارضة التي أطلقها وليد جنبلاط وحيداً يومها، وخاضا المعركة الصعبة التي هيّأت للإنتصار الكبير الذي حققه الطرفان في الإنتخابات النيابية في الـ2000، والذي شكّل صدمة كبيرة بالنسبة للمجموعات التي أرادت تصفية الحسابات مع وليد جنبلاط ومع رفيق الحريري. وعلى إثر هذا الانتصار الشعبي شارك الحزب التقدمي الإشتراكي بحكومة الحريري عام 2000، التي عاد وأطاح بها النظام الأمني اللبناني السوري المشترك، كما شارك بحكومته عام 2003، وحاول فيها جاهداً المساعدة وتنسيق التفاهم وإياه لتخفيف الضغوط السورية خصوصاً في فترة الولاية الأخيرة من ترؤس الحريري الحكومة، لكن القرار المعاكس كان اتّخذ وحصل التمديد لإميل لحود، وقد عارضه مجدداً وليد جنبلاط. 

وبعد أن خاب أمل الحريري من تنفيذ السوريين لكل ما كانوا يعدون به، إنضم إلى المعارضة مرّةً أخرى التي كانت بدأت في لقاء البريستول الذي شكل نواة التحركات الوطنية والشعبية الواسعة، وإستمر هذا التعاون الوثيق حتى لحظة إغتياله في 14 شباط 2005، حيث تفجرت بعدها ثورة الغضب وكان وليد جنبلاط وجمهور الحزب التقدمي الإشتراكي طلائع التشييع الشعبي والسياسي الكبير للشهيد الكبير.

كان الثلاثي جنبلاط والحريري برفقة الرئيس نبيه بري يشكّل هاجساً للجميع، رغم كل التباينات التي سادت بينهم، إلّا أنهم إلتقوا ولعبوا دوراً أساسياً في مسألة بناء الدولة وفهم لبنان وتوازناته رغم الضغوطات الكبيرة.

استشهد رفيق الحريري لينال لبنان استقلاله الثاني ويصدح صوت وليد جنبلاط في قصر قريطم كما في ساحة الشهداء مطلقا ثورة الاستقلال، ومطالبا بالحقيقة في اغتيال الحريري.

هي علاقة مصير جمعت المختارة بقريطم، وشاء القدر أن تجمعهما معمودية الدم من أجل لبنان، مرة مع كمال جنبلاط ومرة مع رفيق الحريري.