السادس عشر من آذار... بعد أربعة عقود

يذكّرنا السادس عشر من آذار من كل عام بالجريمة. وهل ننسى؟

ومع كل ذكرى تتجدد المأساة، وتتفجر الأقلام، ويتوجه الأصدقاء والمحبون والرفاق الى حيث اللحد، لنثر الورود الحمراء، في مسيرة وفاء، الى من جسد في حياته القصيرة هذا الفيض من الفكر، والعلم، والفضيلة، والأدب والفلسفة والتألق في ذاته، سعياً دائماً إلى الحقيقية، الى الإيمان العميق بالانسان، انه امتداد للوجود الأكبر المتجلّي في الفرد والجماعة. ولعل هذا الجانب الانساني هو ما سأتوقف عنده اليوم مع المعلم الشهيد الخالد كمال جنبلاط، بعد اثنين واربعين سنة على رحيله المأساوي جسداً، وهو القائل ان الجسد جزء لا يتجزأ من صميم الحياة الكونية، تتجدد الى ما لا نهاية في سر قداسة التكوين. 

لقد قدر لي في بداية الشباب ان أتعرف اليه عن قرب، أجالسه، أتأمله في غرفته – الصومعة، تتذاكر حيث التأمل والكتب، والشعر، وأدب، الحياة، والثقافة التي قلّما احاط بها عارف عالم، وأحاطت به واغنته كما المعلم رحمه الله. هذه الفرصة التاريخية لي في منتصف ستينات القرن الماضي، كانت محطة ثقافية، فكرية، انسانية لا زلت حتى اليوم اغرف منها وقد طبعت كل حياتي العلمية والتربوية والوقفية، حيث علّمنا بشخصه وتواضعه وبساطته في العيش، الزهد والتجرد والمثابرة.

من هنا نتسأل... هل قضى المعلم في السادس عشر من آذار؟

هل ظن الجاهلون ان رصاصة سوداء تنهي المسيرة؟

هل ظنوا انهم يغتالون الحلم - الحقيقية في آن معاً؟

بعد اثنتين واربعين عاما،

كم نحن بحاجة الى دروسه، الى تراثه، واليوم أكثر من أية ذكرى سابقة، الحاجة الى البعد الأخلاقي في شخصه، منذ النشأة الى الدراسة، والتبحّر في العلم، والفلسفة، والقانون، والتاريخ، والأدب، والشعر، ومن ثم السياسة، وُلوجاً الى الإيمان العميق بالله والحقيقة الأخيرة.

في هذا الزمن الصعب، لو قُدر لمحبيه وتلاميذه ان ينقلوا له في لحظة تجلي الفكر بالفكر، صفحة عن هذا الذي يجري اليوم، على كل صعيد، لكان عنوانها، نداء الى علياء ذاتك،هنيئاً لك لقد ترجلت، واغمضت عينيك، قبل أن ترى مهازل الحاضر. وكم حذرت منها في صفاء تأملاتك، عندما كنت تستيقظ قبل كل صباح، تُسبَّحُ في صفاء الذهن صلاتك اليومية، وابتهلاتٍ تشد ذاتك الى حيث لا وسيط في لدُنيّة العلاقة.

انت في انجذاب الفكر، وسكون الجوارح، وصفاء الذهن، وجوع الجسد، وشِبع الروح، بينما معظم سياسيي ذاك الزمان، سهر ومباذل وعبث ونومٌ متأخر، فكيف تجوز المقارنة؟
في هذه الذكرى وحيث التوجه نحو اللّحد، يحمل كلٌ وردة، نتسائل... هل نحن بحاجة الى وردةٍ ننثرها حيث كل سنة؟ أم الى بستانك ومساكب الورد فيه والريحان، نقطف منها، نتزود من أريجها عاماً بعد عام. وحتى نستحق هذه الكرامة، فلنعد الى تراثك، الى كتبك، الى فكرك، ونهجك فيما يتعدى الحرف والممارسة. والى أن يكون كل سابع عشر من آذار من كل سنة يوماً آخر -  في امسه  -ما يرمز اليه هذا الأمس.

فيا أيها المعلم،
ان ما نكتبه اليوم هو ومضة من سنا فكرك، وكم نحن بحاجة الى تجديد العهد، وأن تتعلم الأجيال الجديدة في مدرستك الخالدة، التي أهلتك وبجدارة، الى منتديات العالم المتحضّر وجامعاته، محاضراً،  باحثاً متميزاً، صديقا لكبار الحكام والفلاسفة، وعلماء الإجتماع والطب، الى الخالدين من عبد الناصر، الى الهند وأرباب حضارتها، الى تياردوشاردان، والبابا يوحنا الثالث والعشرين، الى الأزهر الشريف وعلمائه، الى المملكة العربية السعودية والزيارة التاريخية، حضوراً، وحواراً، وكرامة. وأن تبقى المختارة بدرجها وقصرها وشجرها ومائها وتاريخها، وبمن يكملون المسيرة بجدارة وأمانة، يضيفون فيها كل عام مداميك جديدة متراصّة حفاظاً على الماضي الذي نفخر، والحاضر القلق إنّما للسلام والغد المنشود.