نافالني.. وخط غاز "نورد ستريم- 2"

12 شباط 2021 09:36:22

لم تكُن مباحثات وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل مع نظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو ودية بما فيه الكفاية، ذلك أن قضية توقيف المعارض الروسي أليكسي نافالني انعكست سلباً على مجرى المفاوضات. لكن الموفد الأوروبي أعلن أن الاختلاف مع موسكو على موضوع الحريات العامة، والاعتراض على توقيف نافالني وعلى التدخل الروسي في أوكرانيا؛ لا يعني عدم تحقيق نجاح للزيارة التي حصلت في 4 فبراير/شباط 2021، بحيث تمَّ الاتفاق مع لافروف على الاستمرار في التعاون البرغماتي الذي فيه مصلحة مشتركة للفريقين، وهذا يعني ضمناً عدم توقيف العمل في مشروع خط نقل الغاز «نورد ستريم -2» الذي يفترض أن ينقل 55 مليار متر مكعب من الغاز من روسيا إلى ألمانيا ودول أخرى في الاتحاد الأوروبي.

 خط «نورد ستريم - 2» الذي يبلغ طوله 1230 كلم، وتصل كلفته إلى 9 مليارات يورو، هو الخط المباشر الثاني الذي يربط روسيا التي تمتلك أكبر مخزون في العالم من الغاز الطبيعي والاتحاد الأوروبي. كما أنه يتمدد إلى جانب الخط الأول «نورد ستريم - 1» عبر بحر البلطيق وهو ينقل ذات الكمية أيضاً منذ عام 2012. والخط الثاني الذي أصبح في مراحله الأخيرة؛ يتعرض لانتقادات واسعة من قبل الولايات المتحدة التي فرضت على المشروع عقوبات أوقفت فيه العمل لسنتين، وقال عنه الرئيس السابق دونالد ترامب أنه يرهن أوروبا لروسيا، ويُخضع المستهلكين الأوروبيين الذين يعتمدون بكثرة على الغاز الطبيعي إلى مزاج القيادة الروسية وإلى تقلبات سياسة موسكو.

 وقد دخلت فرنسا في المدة الأخيرة على خط الاعتراض على استكمال المشروع، وتمنَّت على ألمانيا وقف الأعمال الجارية في المياه الإقليمية الألمانية، وذلك من ضمن العقوبات التي ينوي الاتحاد الأوروبي فرضها على موسكو احتجاجاً على الحكم الذي صدر بحبس المعارض الروسي اليكسي نافالني، واعتراضاً على توقيف موسكو لخمسة الآف شخص من المشاركين في التظاهرات المؤيدة لنافالني في عدة مدن روسية. علماً بأن قرار إنشاء المشروع لم يحظ بإجماع أوروبي، وهناك عدة دول تحفظت عليه.

 ألمانيا المُتحمسة ل«نورد ستريم – 2» منذ البداية؛ لم توافق على توقيف العمل بالمشروع من ضمن العقوبات على روسيا، برغم أن الانتقادات الروسية طالتها أكثر من غيرها من الدول الأوروبية، وقد تمَّ طرد دبلوماسي ألماني من روسيا، بحجة مشاركته بالتظاهرات المؤيدة لنافالني في سان بطرسبورج، لكن ألمانيا رفضت الاعتراف بمشاركة الدبلوماسي بالتظاهرات، بل اعتبرت أنه يقوم بواجباته في مراقبة تحركات الشارع الروسي من ضمن المهام التي تفرضها القواعد الدبلوماسية واتفاقية جنيف للعام 1961.

 لألمانيا حسابات مختلفة عن بعض شركائها الأوروبيين، وهي متمسكة بمتابعة العمل ب«نورد ستريم – 2» لأنه يؤمن لها استقراراً في استيراد حاجاتها من الغاز الطبيعي من جهة، ولكي تتمكن من الإيفاء بتعهدها في الاستغناء عن محطات الطاقة النووية لتوليد الكهرباء، لإنها التزمت بإيقاف العمل في هذه المحطات في عام 2022، كما أنها التزمت بتخفيف الاعتماد على الفحم الحجري في صناعتها، ما سيضاعف حاجتها إلى الغاز الطبيعي، وهي ترى أن الغاز الروسي هو الأوفر لأسواقها، وهي تحاول الفصل بين الوضع السياسي المتوتر مع روسيا حالياً، وبين التعاون في المجالات الاقتصادية، خصوصاً في الطاقة، وقد لعبت المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل دوراً فاعلاً لإقناع حلفائها الأوروبيين بتجنيب خط «نورد ستريم -2»من الخضوع للعقوبات المحتملة التي سيفرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا بعد التوترات الأخيرة. وتصريح المفوض الأوروبي بوريل عبَّر بدقة عن هذا الموقف، عندما دان انتهاكات روسيا لحقوق الإنسان، ولكنه أكد استمرار التعاون البراغماتي لمصلحة الفريقين.

 موسكو دانت التدخلات الأوروبية والأمريكية في شؤونها الداخلية، من خلال تشجيع المعارضين لسياسة الرئيس فلاديمير بوتين، وقال وزير خارجيتها سيرغي لافروف لنظيره الأوروبي: «إن أوروبا ستدفع ثمن التدخل في شؤون روسيا الداخلية»، ونفى صحة التقارير الأوروبية عن تسميم المعارض نافالني، ووضع عملية توقيفه في إطار التدابير القضائية العادية، وهي مستقلة تماماً عن التأثيرات الحكومية.

 التوتر الأمريكي – الروسي الذي حصل بعد خطاب الرئيس جو بايدن الأخير، والذي قال فيه أن سياسة المراعاة والخوف من موسكو قد ولَّت – في إشارة إلى ما كان عليه الوضع إبان حكم الرئيس ترامب – سيزيد من حدَّة التصعيد على خطوط التماس السياسية والعسكرية التي تفصل بين أوروبا وروسيا وحلفائها. فهل سيكون خط غاز «نورد ستريم – 2» ثمناً لهذا التصعيد، وبالتالي تضطر ألمانيا في هذه الحالة إلى إيقاف العمل بالمشروع؟