عند أقدام المعلّم

ويعود آذار... وكأنَّه أبدًا لم يرحل! أو تراه نقطة توقّف عندها الزمن منذ اثنين وأربعين حولًا، ليكون الشاهد على قافلة من الأيام المرتحلة بأعبائها، المثقلة بأنين ضجّ به صدر الإنسانيّة، ولا نزال إلى اليوم ننتظر الصرخة! أو لكأنَّ ساعة الحياة توقّفت عند ذاك المنعطف الكئيب، بانتظار بزوغ فجر الحياة الحقيقيّة، تلك التي أثمرت معلّمًا وفكرًا ليكون خير رافد لها بين أبنائه من السابحين في ذلك المحيط! فكان "الكمال" وكانت "الرؤيا" وكانت "الحكاية"!

يقولون إنَّ كمال جنبلاط بات ورقة في زمن مضى، فكيف إذًا يا معلّمي لا يمرّ لحظٌ بدون أن نجدك ماثلًا كالصخر يتفجّر بماء الحياة من الأعماق؟!

ويقولون إنَّ حبّك في القلوب قاتلٌ، فكيف عسانا إذًا نعيش أيامنا، وكيف نقابل كلّ يوم الشمسَ وظلال الآفاق؟!

يقولون أمامنا، وفي كلامهم صفعة: مات الرجل! ألم تروا من مات؟! فكيف يا معلّمي نشرح لهم بأنّك في الحياةِ حقيقةٌ لا يدركها إلَّا من مات فيه الرياء؟!

بعضهم علّق على الجدار صورةً، وبعضهم كانوا للرسم أداة ودواة! وبعضهم غصّ بأن يضيء في ذكراك شمعة، وبعضهم لا زالوا يستنيرون بضيائك رغم عتمة الأنفاق!

لعلّك للصحب من علياك متابعٌ، فظلّك هامةٌ لا تشبع من حبّها الأحداق! 

وهم في الانتظار لا يملّ زمانهم، ولا يلقي على الأرض وشاح الخنوع مهما علت أمامه الأنواء!

أيا معلّمًا بات للحنين مقصدًا!
أيا لوحة حيكت بألوان الضياء!
أيا بلسمًا لجرح طال عمره، فيك الدواء وأنتَ الراقي من كلّ داء!
ما عابنا أن نظلّ في حضنك،
ما صغّرنا طلب التقى واللقاء!
فعند أقدامك "لوتس" الحقّ طهارةٌ
وفي فكرك سلامٌ لمن أحبَّ النقاء!
فلا تلمنَ قلوبًا تعيش بظلّك، ولا تعاتب من خاب فيه الرجاء! 
لقد علّمتنا أنَّ الحياة رحلةٌ
وأنَّ التفلّت منها أسمى انعتاق!
فإذ بنا نكبّل أرواحنا بقيد الموت
ونهيم في تخبّط "الأنا" بلا انتماء! 
رعيتَ لنا في التضحيات سنابل مورقة
وتركتَ في معجننا خبزك، وفي قمحك زمان الأوفياء!
فاعذر يا معلّم الأجيال في ذكرى ارتحالك موطنًا
تغزوه "التجارة" وينخره سوس التملّق والتعلّق بأهداب الشقاء!
فحسب أنَّ من يعشق الروح
لا يضنيه درب جلجلة يمشيه من يتطلّع إلى "وجهه الحقّ" بلا انكفاء
وها نحن على الموعد لا نزال نلملم جمعنا
بعزم مؤمنٍ أدرك الضوء مدّة، فكيف لهم أن يعيدوه إلى "الزقاق"؟!
فلا زالت الحياة تزهر بذكرك ، وأنتَ فيها موطن وسناء،
ولا زال الصدى يرجّع صوتك هادرًا
يخاطب الروح، ففيها لكَ منسكٌ وبقاء:
"إن مررتَ بالقبور تذكّر، وتفكّر لحدَ ذاتك
إنّك في كلّ لحظة تموت لتُبعثَ حيًّا في كلّ لحظة... فأنت دائمًا ربيع الحياة!"