إيران تطلق "سياسة مواجهة ثلاثية الأبعاد" بوجه التحالف الأميركي – الأوروبي

07 شباط 2021 16:40:29

لم يتطابق بيدر إيران النووي مع حقل السياسات الأميركية الجديدة، فما كانت تنتظره طهران من واشنطن مع وصول الرئيس بايدن إلى المكتب البيضاوي، من تراجعٍ عن قرارات اتّخذها سلفه ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي، وتعليق العقوبات القاسية التي فرضها عليها، لا بل حذّر وزير الخارجية الأميركي، أنطوني بلينكن، طهران من مواصلة انتهاك التزاماتها للاتفاق النووي. وقال في مقابلةٍ تلفزيونية: "إن طهران على بُعد أسابيع من القدرة على إنتاج المواد الانشطارية اللّازمة لصنع سلاح نووي". وأكّد أن واشنطن مستعدة للعودة إلى الاتفاق النووي إذا فعلت إيران ذلك، وأشار إلى أن إدارة الرئيس بايدن لا تريد إلزام إيران فقط باتفاق العام 2015، وإنما "تقييد برامجها للصواريخ البالستية التي يمكنها أن تحمل رؤوساً حربية نووية، أو أسلحة دمار شامل، والتي تشكّل تهديداً لدول الجوار، وإنهاء دعم النظام الإيراني للجماعات والميليشيات المسلّحة التي تدور في فلكها في كلٍ من اليمن، والعراق، وسوريا، ولبنان، ووقف تدخلها في الشؤون الداخلية للدول الأخرى".

وكانت إيران قد سرّعت في الآونة الأخيرة من انتهاكاتها للاتفاق بهدف الضغط على الرئيس الأميركي جو بايدن، وقالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في تقريرٍ لها قبل أيام: "أتمّت إيران تركيب إحدى مجموعات الأجهزة الثلاث التي تضم 174 جهازَ طردٍ مركزي (آي آر – 2 إم). وقال كاظم غريب أبادي، مندوب إيران لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إن طهران بدأت أيضاً تركيب أجهزة الطرد المركزي (آي آر – 6) في منشأة فوردو، وهو موقعٌ محفور في جبل بدأت فيه إيران تخصيب اليورانيوم بدرجة نقاء 20 في المائة، وهي المنشأة التي أنجزتها آخر مرة قبل اتفاق 2015.

وفي الوقت الذي تعلن إيران رفضها التفاوض حول برنامجها الصاروخي – البالستي، أو سياستها الإقليمية، تصرّ على رفع واشنطن العقوبات الاقتصادية أولاً، لا سيّما المرتبطة بصادراتها النفطية قبل أن تعود للالتزام بالاتفاق. 

وفيما يبدو أن إيران تمارس سياسة المناورة من خلال توزيع المواقف التصعيدية، أو تلك الليّنة فيما بين قادتها، دعا وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، الاتحاد الأوروبي إلى التوسّط بين بلاده والولايات المتحدة لإنقاذ الاتفاق النووي، وأن يحدّد وزير خارجية الاتحاد "التدابير التي يجب أن تتخذها الولايات المتحدة، وتلك التي يجب أن تتخذها إيران "من خلال وضع آلية عودة "متزامنة"، و"تنسيق ما يمكن القيام به"، كرّر الرئيس حسن روحاني مواقف بلاده التقليدية المتشددة، و"رفض التفاوض لتعديل الاتفاق وتغيير أي بندٍ فيه"، وكذلك رفضه،  "إضافة أي أحد إلى خطة العمل الشاملة المشتركة" وذلك رداً على المقترح الأميركي - الفرنسي بضم أطرافٍ خليجية إلى المفاوضات المقبلة والتشاور مع الحلفاء. وقال روحاني، "هذا هو الاتفاق. إذا أرادوه فأهلاً وسهلاً، وسيعود الجميع إلى الالتزام به. وفي حال لم يرغبوا، يمكنهم أن يمضوا في حياتهم".

في المقابل تسير السياسة الجديدة للخارجية الأميركية وفق ما أعلنه الرئيس جو بايدن في محافل عديدة، وبأنه يريد تحسين العلاقة مع الحلفاء الأوروبيين ومع حلف شمالي الأطلسي، ما يعني العودة إلى السياسة التقليدية الملتزمة بالعمل المؤسّساتي المتوازن فيما بينها، والبحث عن النقطة المشتركة التي تمثل المصلحة الأميركية تحت سقف السياسة الاستراتيجية العليا للمؤسّسة الأميركية العميقة، وبالتالي العمل على إنضاج الملفات، وتحضير أرضية مرنة على المسرح الدولي، ومنها ترتيب العلاقات وتقييم السياسات السابقة، وإعادة ضبط البوصلة مع الحلفاء وتحديد مستوى الصراع مع الخصوم.

وتنفيذاً لهذه الاستراتيجية عقد وزير الخارجية، أنطوني بلينكن، اجتماعاً عبر الفيديو مع الحلفاء الأوروبيين لمناقشة الاستراتيجية الدولية التي ينبغي اعتمادها حيال إيران، وهذه هي المرة الأولى التي تجرى فيها مثل هذه المشاورات على مستوى وزراء الخارجية منذ عام 2018، حين انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي. وجاء ذلك على إثر اجتماع رفيع المستوى لمجلس الأمن القومي في البيت الأبيض لمناقشة نهج إدارة الرئيس جو بايدن وسياسة خارجيّته المتعددة الأطراف لمطالبة طهران بوقف انتهاكاتها المتواصلة لتعهداتها الدولية، والعودة إلى "الامتثال الكامل" لمندرجات الاتفاقات الدولية، وإدخال عناصر جديدة لمعالجة الخلل في صفقة 2015. وتركّز الاقتراحات الجديدة على ضرورة أن تكون دول المنطقة، ولا سيّما المملكة العربية السعودية، ضمن أي مفاوضات جديدة.

المراقبون لتطورات الصراع الأميركي – الإيراني حول الملف النووي، يرون أن طهران وضعت في مواجهة السياسة الأميركية الجديدة "سياسة مواجهة ثلاثية الأبعاد" ترتكز على: تسريع وتطوير الإنتاج النووي، والابتزاز، والتهديد الإقليمي من خلال نشر الصواريخ البالستية في سوريا والعراق ولبنان واليمن والخليج الفارسي، ودفع أذرعها العسكرية لتوتير الأجواء وإثارة القلاقل الأمنية والترهيبية بهدف إحكام السيطرة على دول العراق واليمن ولبنان، للتفاوض عليها لاحقاً.

ويرى المراقبون أن تسريع تطوير البرنامج النووي، يحقق لإيران ثلاثة أهداف رئيسية، أولها زيادة الضغط على الغربيين وعلى الطرف الأميركي تحديداً لدفعه للتحرك سريعاً لرفع العقوبات، أو تحريك الأوروبيين لتوفير حل وسيط بين الموقفين المتناقضين. وثاني الأهداف، توفير أوراق إضافية للمساومة عليها عند انطلاق المفاوضات. لذلك ضاعفت ايران التخصيب إلى نسبة 20 في المائة، وربما إلى أعلى من ذلك، أو السعي لإنتاج معدن اليورانيوم ونشر أجهزة طرد مركزية حديثة، وتطوير صواريخ بعيدة المدى أو فضائية. وثالث الأهداف، إفهام الغربيين أن طهران تقترب أكثر فأكثر من أن تتحول إلى قوة نووية تحت أنظار مراقبي الوكالة الدولية للطاقة النووية.

لذلك ترى مصادر دبلوماسية أوروبية أنه بات من المفروض على طهران وقف مناوراتها والشروع في تنفيذ الخطوة الأولى بالعودة إلى الاتفاق لأنها، "راكمت الخبرات والمخزون من اليورانيوم المخصّب ما يؤهلها للحصول على السلاح النووي"، وفق تقارير المنظمة الدولية للطاقة الذرية. 

وهذا ما جعل الأوروبيين يتبنّون الموقف الأميركي، بما في ذلك الدعوة لتوسيع إطار التفاوض وضم أطراف جديدة. ولذا، ومن أجل عدم الوصول إلى طريقٍ مسدودة، بات على إيران توفير البراهين التي يمكن التحقق منها بأنها لن تراكم المزيد من الإمكانيات النووية، بانتظار أن ينطلق الحوار الموسّع، لأن الاتفاق النووي الحالي، لم يعد كافياً".