"لم يرتوِ الباشق من دم العصفور"

06 شباط 2021 22:50:00 - آخر تحديث: 07 شباط 2021 06:14:43

لا، لم ترتوِ الأرض من دماء الشهداء. 
لم يفهم المتفرجون لعبة "القمم". وقعوا ضحايا "الهدّامين الكبار".
من لا يفهم اللعبة يخرج من الميدان. فالميدان مكان مخصّصٌ "للمتفهمين"، ومحرمٌ على المصفّقين. 
المتفرجون ينظرون إلى النهر  ويغفلون عن النبع.
فتِّشوا عن النبع لتعرفوا مصدر القروش التي تصطاد الدلافين الواحد تلو الآخر.
هل وقعنا في مصيدة؟ هل غرقنا في رمالٍ متحركة؟
هل ينقلب الأسد إلى مخلّصٍ إذا ما لبس ثياب حملٍ وديع؟
ما أبشع الأسد الذي يدّعي بأنه راعي القطيع الذي يفترسه!
ما أبشع الأمة التي تبتلع قادتها ومفكّريها ومثقّفيها، وتودِعهم في غياهب النسيان، أو  تضطرهم إلى ترك البلاد، أو تحاكمهم، أو تحرق مؤلفاتهم التي يصعب تعويضها. 
ما أبشع الأمة التي يشيع فيها الإرهاب إلى درجة يصبح معها عادياً، بعد أن يتخذ العقائد لباساً، والإلغاء نهجاً، والعنجهية عادةً، والبطش صنعة.
الإرهاب ليس بجديدٍ على هذه الأمة البائسة لأنه وُلد معها، وجُبلت به. 
لكن كلمة الإرهاب ليست دقيقة لأنها تدل على الترهيب، والتخويف، بينما دلالاتها الحقيقية هي الجريمة، القتل، الإلغاء، والإسكات.
الاغتيال السياسي هو في الحقيقة جريمة قتل مزدوجة، ولا يمكن تبريره بأي شكلٍ من الأشكال. إنه قتلُ الجسد ومحاولة قتل الفكر. لكن الفكر لا يُقتَل.
غريبٌ هو هذا الزمن الذي نعيش فيه، زمن الغموض والحيرة. وكيف يقبل العقل ما يشهده من غياب القيَم وما هو أخطر، أي تزويرها، وطغيان المادة على الفكر، وطغيان الشر على الخير. 
هل تذكر هذه الأمة من أحرق مكتبة الإسكندرية وألقى بكتبها في البحر؟
أو مَن أحرق كتب دار الحكمة في القاهرة؟
أو مَن حاكم عمر الخيَام وحكم بإحراق كتبه؟
أو أشهر من اتّخذ من الاغتيال سبيلاً لتحقيق غاياته السياسية (والذي استعارت اللغة الإنجليزية كلمة اغتيال من اسم فرقته)؟
لم تصل هذه الأمة إلى ما وصلت إليه إلّا بنتيجة ما كان عليه حالها في غابر الزمان،  لذا ليس للعجب من مكان، ولا نفع للأحزان.
التطور والتغيير سنّة الحياة والطبيعة، ومَن يخالف هذه السنّة يسعى إلى الهاوية.
يقولون إن النور في نهاية النفق، لكن لا نور في نهاية النفق لمن اختار السير في الظلام، وهذه الأمة تسير في الظلام.

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".