رسالة من كمال جنبلاط إلى الشباب اللبناني... بعيداً عن الهستيريا

الأنباء |

 

لطالما انشغل كمال جنبلاط بهموم الشباب وقضاياه، في محاولة دائمة لدعوتهم إلى الفرح والحياة، إلا انه كان دائم القلق على مصيرهم، لا سيما الشباب العربي والشباب اللبناني، وخصوصاً في ظل محاولات ابتداع لون من الهستيريا تنبثق من نهم الرغائب في الإنسان .
وانطلاقاً من إيمانه بدور الشباب المحوري في حياة الشعوب، وفي ظل اليأس المتنامي لدى الشباب اللبناني جراء الأزمات المتلاحقة معيشياً واجتماعياً وسياسياً، تعيد "الأنباء" وفي أول إطلالة لها في الموقع الالكتروني الجديد نشر رسالة من كمال جنبلاط للشباب اللبناني في كتاب "أحاديث عن الحرية"، الصادر عن الدار التقدمية، وفيها يقول:
نظن أنه حان الوقت لأن نجابه الرأي العام ببعض الحقائق عن واقع ما يتخبط به بعض الشباب اللبناني وبعض الفئات الراشدة نفسها من انحرافات وانجذابات مفسدة واتجاهات خاطئة تتقوى وتتوسع وتنتشر بواسطة أساليب الدعاوة الحديثة التي دخلت البيت مع الراديو والتلفزة، ونزوة التقليد المتعامي المسترق لكل جديد snobisme، بحيث لا يعود في المستقبل ممكناً تحويل التيار المنجرف بأولادنا وأصدقائنا وعائلاتنا، أو  تصحيح هذه الأوضاع الظاهرة للحضارة بما يتفق مع الأخلاق واسس روحية الحياة وغايتها الإنسان ية الأخيرة وجوهر كل دين.

والخطر الملازم والمتعاظم هو في قيام محاولات في شتى المجالات، (في الفن، في الموسيقى، في الرقص، في العادات والمظاهر) لابتداع لون من الهيستيريا تنبثق من نهم الرغائب في الإنسان ، وتعبر في الواقع عن مضامين الكبت الباطنة والمنبثق من هذا التصادم والتناقض في الإنسان  العصري بين فكره وعاطفته اللذين توسعا كلاهما وصقلا وتفتحا على ألوان من تذوق الجمال وحقائق العلم وامتيازات الحضارة فلم يعد يجد الإنسان  في نهم الرغائب الغريزية والعادية أمنيته وموضع استقراره واطمئنانه ومرساة هنائه، وبين نقص أساسي في تربية الشخصية وتمكينها من استيعاب امكانيات الفكر المتوسع وتحسسات العاطفة المتطورة على ضوء التوجيه الخلقي والترفع الأدبي والروحي.

وهذه الرغائب التي ألمحنا إليها وهذه النزعات البكر والمولدة أيضاً للفكر وللعاطفة بفعل الحضارة المادية وانتشار العلم وتمكن كل مواطن تقريباً من التحصيل إلى أبعد مدى، لا تطمئن في الإنسان  ولا تبلغ مستوى السلام والتوازن والانسجام المتوافر ومرتقى هذه الموسيقى الداخلية والخارجية التي تعبر عن قصد الخلق منا وفينا وعن غاية الوجود، إلا إذا لعبت بها ودفعتها وحولتها ورفعتها وشبكتها بعضها ببعض، في وحدة طبيعتنا الأصيلة، أنامل قيثارة الوجود الحي الحقيقي الذي يرقد فينا، والذي نفتش عبثاً عنه في مستوى حلم الدنيا الظاهر وفي مرتبة الرغبة والغريزة المتعامية الغائرة..

ولعل أزمة هذا الجيل أنها لم تتوصل بعد إلى التعرف إلى الروحية التي تتناسب مع ما توصل اليه العلم في الحقل التجريدي وما أبرزته التقنية من أوضاع مادية للحضارة.

على أنه يتوجب علينا، نحن في لبنان، أن نبدأ على الأقل في محاولة معالجة هذه الأزمة، وذلك بحجب الإنسان  ما أمكن عن الملهاة الشيطانية المتقدمة اليه والتي ستلتهمه حتماً في فورة تحقيق الرغائب، جميع الرغائب ? والرغبة كالجحيم لا تنطفئ نارها كما يتوهمون بتحقيق أغراضها، بل يتسع اللهيب ويتعاظم كمن يرمي في الأتون، على الدوام، أكواماً من الحطب والأخشاب اليابسة.. فالمشكلة هي مشكلة تحويل وترفيع للتيار الحي فينا ولإمكاناته المتناهية.. هذا من جهة... ومن جهة ثانية علينا بعد التبصر بواقع وبحقائق هذا البلد أن نرسم سياسة ايجابية تتعالى لأجلها في كل بلد من بلاد العالم اليوم نداءات وتطلعات ومطالب شغوف كمن يفتش عن بعض وجوه الحقيقة وسط هذه العلبة من السحر المادي والفكري التي أضحت عليه المدن المتحضرة في العالم .

ولنبدأ بشرح واقعنا قليلاً قبل التحدث عن أي شيء آخر.

عندما تسلمت منذ سنة تقريباً وزارة الداخلية بناء لتكليف رئيس الدولة، فكرت طبعاً بإعادة هيبة القانون وتنمية عنفوان السلطة ـ قد تم ذلك إلى حد كبير لم يسبق أن بلغته البلاد من قبل أي منذ بداية عهد الاستقلال والميوعة التي أعقبته ـ وفكرت كذلك في تقوية أجهزة الإدارة معنوياً وفي تحريرها من التدخل ومن السياسة وفي استخدام البلديات والهيئات المحلية على أوسع مدى لرفع مستوى الأرياف والنشر العمران، ولتقوية روح الحكم الذاتي والاتكال على النفس - وفي هذا الاتجاه وضعت مشاريع قوانين البلدية والمخاتير الجديدة وفرضت رقابة أقوى وتوجيهاً متصلاً وواضحاً على الأجهزة التنفيذية المختلفة، فيما عدا طبعاً ما عُني به بشكل خاص، بعد المؤامرة الانقلابية الفاشلة، من مراقبة أفضل للدسائس والمؤامرات وأجهزة المخابرات الأجنبية ومساعي الدعارة السيئة والتخريب..

ولكنه لم يفت عن بالنا أن هنالك تهديماً أعمق ومؤامرة أوثق ودسيسة أدهى تقوم معظم الأحيان في هذه الصور المتحركة على الآلة الصغيرة وفي جوف الصندوق الجميل الصنع في البيت أو على الشاشة البيضاء في دار السينما، والتي يتتبعها بعيونهم المنفتحة على عقولهم وعواطفهم وغرائزهم، أولادنا الصغار وشبابنا وأفراد عائلاتنا والأولاد الكبار منا أيضا ـ وهل يشيخ أحد منا الا لعثرة الروح ومسقم التخلي عن الحق وعن العدل وعن الرجولة الحقة وعن الجمال - فتنغرس هذه البذور مع ما هي عليه من زؤان ومضامين انحراف ورذيلة ورغبة في الإجرام أحياناً في نفوس الصغار والشباب بشكل خاص، فتعود تنبت فيها الاتجاهات والعادات السيئة التي طالما حاولنا بواسطة التربية أن نجنبهم اياها، هذا عدا اليأس، وهذا التشاؤم، وهذا الاستهتار، وهذه الإباحية، وهذه الفوضى الروحية والخلقية، وهذا التهدم الكامل للأعصاب وللفتوة ولكل شعور أو  سعي سليم.. فتكون الذهنية أضحت معدة لكي تستلمها أيادي الدعارة السرية أو  الانحراف الجنسي، أو  لكي تستقطبها في النهاية، وبشكل حتمي، وتجذبها اليها، بلا عودة أحياناً كثيرة، هذه الهستيريا التي تبرزها هذه الموسيقى وهذه الألوان من السحر والتجرؤ والشرب والرقص التي استعرناها، ونحن لم نفطن أن أخينا الرجل الأسود دون أن تتولد فيه هذه الهستيريا المرضية من جراء ذلك أن يتمتع بهذه الموسيقى وبهذا الرقص وبهذه العادات في السمر وسواها، وهو لا يزال على الفطرة ـ أي أن ذهنية التأويل والتمييز لا تزال على بداهتها فيه - ولم يتفتح بعد فكره إلى ما تفتح اليه عقلنا ولم تتلون بعد عاطفته. وفوق كل ذلك فله ذهنية خاصة يرتكز عليها، وتنبثق منها هذه العادات وهذا التصرف في الحياة وللمحيط الجغرافي والإنساني وللبيئة أثر في ذلك. فنحن، عندما نقلد أخواننا الأفريقيين نفعل ذلك كمن يلبس زياً نفسياً لا يلائمه ولا يناسبه على الإطلاق، كمن يحاول أن يمشي باستمرار على يديه ورأسه في منقلب وعكس ما قد تعود عليه.

 ثم إن الأهم من ذلك أن هذه العادات الفولكلورية المتنوعة والمنسجمة بعضها مع البعض الآخر تتركز في نفسية أخواننا من قاطني أواسط افريقيا إلى مجموعة متناسقة ومترابطة من الاعتقادات الروحية الحية ومن الطقوس والالتزامات الدينية والخرافات Mythes والأساطير الرائعة الخاصة، المنحدرة اليهم منذ أقدم العصور والمتوارثة بشكل تراث حي متصل.. وهم لا يزالون مرتبطين بالطبيعة، ملتصقين بنبضة الخلق وأسرارها، لا يتميز تيار نفسيتهم ولا ينفصل عن لغة الأشجار وهدير السواقي ومتعة المياه وتصورات الليل والنجوم والأنوار، وحياة الكون بأسره، كما يتحسسونه بشكل عام. فالرقص، حتى الذي يعبر عن بعض الألوان المستغربة والغريزية بالنسبة إلينا، هو بالنسبة إليهم طقس من طقوس ذهنيتهم المتدينة، وموسيقاهم ولدت فينا من دهشة وحيرة واستهتار وهوس مسعور، فهي بالنسبة اليهم شيء آخر تماماً، يدخلها من أصداء الخلق ويعلق بها من رواسب التوحد مع الكون ومن علامات التكريس والاطمئنان ما لا يبين لنا ولا نشعر به في ذهنيتنا القائمة نحن.. وإنما نحن نقلدهم من الخارج، للعبث الرخيص واللهو المسف لا أكثر، بعد أن ضاقت نفوسنا بالتمتع بتراثنا الاقليمي والحضاري الخاص والمتجلي في المواسم والأعياد والشمائل والتقاليد والحكايات والألحان، ودون تفهم هذا التراث على حقيقته أي على ضوء الكلاسيكية أو  الأصالة الكامنة فيه.

كأننا شعب بدون تراث وبدون تاريخ.. فتصبح موسيقى أخواننا الأفريقيين بالنسبة إلينا تهييجاً متصاعداً وانحطاطاً مثيراً ويضحى رقصهم، في تمرسنا اياه، عربدة وتمثيلاً لأحط الغرائز، فنضيع، ويولد هذا الجيل بيننا الذي يؤسفني أن أقول أنه لا يرتبط معظم الأحيان بشيء، لا بوطن ولا بقومية ولا بهدف إنساني ولا بحشمة ولا بتقليد حقيقي ولا بتاريخ ولا بشرف..

ثم يدخل مفعول المخدرات في كل هذا وانجذابات الجنس، فاذا بالأفيون والهرويين والكوكايين تفتك في شبابنا وتلامذتنا وكبارنا أحياناً، فتكاً ذريعاً، وهو مركب تعويض واستكمال لهذه الهستيريا الإباحية التي تكون قد قولبت، عبر السينما والتلفزيون وعادات الرقص والألحان، وبعض صور الصحف الخلاعية وأخبارها عن الاجرام والحوادث الموجهة تكون قد قولبت هذه الذهنية، فأبعدتها عن ضوابطها الأخلاقية والروحية والإرادية المألوفة في المجتمع الذي نحن منه.

وإن ما شاهدناه من منظار هذه الوزارة كان أخطر بكثير وأشد خيفة على مستقبل الجيل الطالع وعلى مصير البلاد مما كنا نتصوره. فالدعارة السرية التي يسببها الفقر أحياناً وما يلازمه من إغراءات خاصة في بعض أحياء المدينة وفي بعض قصبات الاصطياف تتوسع باستمرار وهي سوق حقيقية للفرق الأبيض.. والإباحية التي هي صنو الدعارة تشمل أكثر فأكثر فئات مختلفة من الناس علاوة على أنها تركزت، وفي مدينة بيروت بشكل خاص، في بضع آلاف من الشباب الصغار والكبار الذين ألمحنا إليهم وإلى طريقة تطورهم إلى هذا المستوى الذهني فيها قبل.. والأفلام العارضة لمآسي الملاكمة العنيفة وللحروب والملاحقة والسرقة والضرب والقتل والفتك، في جو إغراء الطبيعة أو  خدعة اكتشاف الدسيسة، أخذت تلعب دورها في دفع الصغار والشباب إلى تقليد كل ذلك وامتهان الخلع والكسر والسرقة على الأقل، في وجه كل ذلك، رأينا من واجبنا الطبيعي أن نتخذ بعض الخطوات والتدابير الأساسية، نذكر منها:

ـ التوصية لمراقبة أشد وأضيق ومتدرجة على أفلام السينما والتلفزيون وقد تم ذلك ولكن بشكل لا يرضينا بعد.

-  وضع مشروع قانون لمراقبة الأفلام يقضي بتأليف لجنة من ممثلي مختلف الوزارات المختصة، ومن بعض ممثلى الهيئات الدينية، لاعتقادنا أن رجل الدين الحقيقي، هو ضمانة بحد ذاته وبالنسبة لثوبه، أكثر من غيره.. ولا نزال على نقاش وجدل مع بعض زملائنا في الحكم منذ أكثر من خمسة أشهر لجعلهم يقبلون بمبدأ تمثيل رجال الدين في هيئة مراقبة الأفلام. واننا طبعاً نصطدم من وراء كل ذلك بهذا الكارتل الصغير الذي يشكله أرباب صالات العرض في بيروت الذين يعتقدون خطأ بانه سيلحقهم ضرر من جراء إقرار القانون بالشكل الذي تقدمنا به.

-  وضع مشروع قانون بإلغاء البغاء الرسمي. ولا نزال أيضاً نكافح منذ أكثر من سبعة أشهر لأجل إقراره في مجلس الوزراء، وتحويله فيما بعد إلى المجلس النيابي.

ـ التوصية بمكافحة اقوى لتجارة المخدرات. وقد تم شيء من ذلك. على أن الاستصدار في تنفيذ القانون في هذا الباب من جانب القضاء كما يتوجب، وبالقساوة القصوى، وتمكينه من تصديق مشروع القانون الذي وضعناه منذ سنة تقريباً والذي يقضي بإخضاع المحكومين بتهريب المخدرات والاتجار بها إلى الإقامة الجبرية في إحدى القرى البعيدة عن العاصمة وعن مراكز التهريب على الشواطئ، وكذلك بالتعاون المستمر بين القوى الحارسة للشواطئ.. فمشروع قانون الإقامة الجبرية، اذا ما تم والذي اصطدم بعقبات ومقاومات لم تكن في الحسبان، سيقضي قضاء شبه كلي على وجود المخدرات في لبنان وعلى تهريبها ومعاطاتها..

ـ منع بعض الوان الرقص التي تتمثل فيها هذه الإباحية.

-  وضع مشروع قانون لحظر نشر الأخبار المثيرة والصور الخلاعية في الصحف والمجلات لا يزال منذ أشهر في مجلس الوزراء.

? اعدادنا لمشروع العمل الاجتماعي الإجباري في سن معين ولمدة معينة، لتحويل شبابنا إلى العمل النظامي الإعماري المثمر وتعويدهم على الانصراف عن هذا الذي يتلهون به من العبث الفاسد أحياناً، ونفحهم بروح المسؤولية الاجتماعية والوطنية.. وكنا قد أعددنا سابقاً ويوم كنا في وزارة التربية الوطنية مشروعاً للتعليم الديني الإجباري في المدارس، كل فيما يتعلق بدينه.. ولكننا كالعادة ووجهنا بعدم الفهم حتى من جانب بعض رجال الدين..

أما المقامرة، فلا نتحدث عنها في هذا البيان، نظراً لخطرها ولشيوعها، كما تعلمون. ويجب التصريح، بلا مواربة، بأن وضع البلاد، وخاصة العاصمة، لم يعد يسمح بأن نتأخر في اتخاذ بعض التدابير الجذرية..

ونأمل من جميع المواطنين وخاصة أرباب العائلات ورجال الدين ورجال الصحافة أن يساندونا لأجل ذلك.. ويجب الاعتراف أننا لم نر حتى الساعة أية مساندة من جانبهم تقريباً..

ويجب أخيراً أن نعلن أننا لن نقبل بالنظرية القائلة في لبنان، وهو هوس تأييد حرية الاقتصاد المطلقة التي تنكرت لها جميع الأديان، بأن لبنان يجب أن يبقى هكذا ويصبح أكثر من ذلك، لكي يستطيع أن يسد ثغرة من عيشه: أي أن تظل في أرجائه مواطن فسيحة للمقامرة وللدعارة ولمعاطاة المخدرات وتهريبها ولممارسة الإباحية.. ولذا نشدد على تصنيع البلاد ونستصرخ ضمائر الصناعيين لكي يقوموا بذلك، لامتصاص الأجيال الطالعة في العمل المثمر والمسؤولية المهنية الإيجابية..

 أما "لبنان المقامرة والعهر الأخلاقي والإباحية في شتى ألوانها"، فهو ليس لبنان، ونرفض أن يكون كذلك مهما كان الثمن - ولن ندفع أي ثمن كما يصور ذلك بعضهم للخداع والايهام، ولكي يستمر استثمارهم حتى لأخلاق الناس وحتى لحياتهم ولأرواحهم وأجسامهم... -على الأقل ليس - هذا هو لبناننا. فلهم لبنانهم فليستطبوه لو أمكنهم ذلك. ولنا لبناننا.. أن عقيدتنا واشتراكيتنا الفاضلة تأبى علينا سوى هذا الموقف الحافز من مواقف الحياة .