الإستفادة من العبر؟

28 كانون الثاني 2021 14:41:00 - آخر تحديث: 28 كانون الثاني 2021 15:26:21

عندما نشبت الثورة السورية عام 2011، كان هدفها تحقيق بناء دولة مدنية ديموقراطية في سوريا بخلفيات الاضطهاد، والقمع، والأوضاع الاقتصادية المتردية، والحكم العنصري العائلي المركّب والمتلطي وراء حزب وشعاراتٍ قومية وعلمانية باطلة، وتحوّل معها إلى جهاز أمني في خدمة نظام عنصري. لقد وقعت هذه الثورة في فخ العسكرة الذي شكّل لها مقتلاً مطلوباً من النظام، وتكاثرت العروض الدولية والإقليمية لتصبح الثورة بين فكّي الإرهاب بوجهيه الإسلامي المشوّه ونظام البراميل، وما بينهما تموج الامتدادات الخارجية على بنية كل منهما ببعدٍ وبأهدافٍ متقاطعة لإخماد الثورة واستخدامها إلى جانب النظام من أجل تحقيق أهداف السيطرة على النفط، وتقاسم الثروات، وتأبيد الأمن الإسرائيلي، والتقسيم العملي للبلاد. وكل ذلك على حساب الشعب السوري، وقد أصبح الثوار الحقيقيون ضيوفاً على الثورة قيادةً وقاعدةً مما أدّى إلى إخمادها وولادة وضعٍ هجينٍ لا يبشّر بخيرٍ سوى استخدام دمية النظام كلعبةٍ هزيلة في إعادة تركيب البلد بأهدافٍ تخدم مصالح الروسي والأميركي والإسرائيلي وغيرهم من طالبي بعض الفتات المقونن والمقنّن.
تعيدني هذه المرحلة إلى تجربة الثورة السورية الكبرى التي نشبت عام 1925 والتي كانت أهدافها مشابهة في تحقيق الاستقلال، وبناء دولة ديموقراطية في سورية. 
 
لكن الثورة كانت مستفيدة من الخلافات الفرنسية - الإنكليزية على تقاسم المستعمرات، وأصبحت ضحية عام 1927 وبعد تسوية بريطانيا خلافاتها مع فرنسا عام 1927 اتفقت معها على خنق الثورة السورية، فلجأ سلطان باشا الأطرش والثوار إلى المنفى الصحراوي في نجد لأنهم رفضوا العودة إلى الوطن تحت علم الاحتلال.

لكن الثورة استمرت بالعمل السياسي في الداخل، وكانت في دمشق والمدن السورية بورجوازية وطنية تدرك أهمية الحرية والاستقلال، والتعاون مع سلطان الأطرش كقائدٍ روحي للحركة الوطنية السورية في المنفى. 

لقد جاءت وحدة الشعب السوري بإعلان الإضراب العام في دمشق لمدة ستين يوماً، وفي ذلك العام اعترفت فرنسا باستقلال سورية ولبنان. واستمرت الحركة الوطنية السورية تعمل بالأساليب السياسية حتى تمّ جلاء المحتل الفرنسي عام 1946.

بعد الاستقلال برز حكم وطني غير مستقر، وسجّلت سوريا الرقم القياسي في الانقلابات العسكرية المتتالية، ومنها ثلاثة انقلابات في عام واحد والمرتبطة في الخارج.
 
وبكل أسف، بعد هذا المخاض الطويل من التضحيات للشعب السوري تبلورت بعد عام 1970 سلطة عسكرية- أمنية، وعسكرية منغلقة على ذاتها لم تصغِ للمناضلين الشرفاء بتصويب مسارها في ترشيد الاقتصاد، وعقلنة الحياة السياسية والانفتاح على الطبقات الشعبية. وبرز نظام عسكري يعتمد على التمييز الحزبي والطائفي والعرقي، وتحولت سوريا إلى مزرعة لمافيا ناهبة لثروات الوطن. 

كل هذا أدى إلى انفجار المجتمع السوري عام 2011 ، وقاد إلى التدخل الخارجي للأهداف المذكورة أعلاه على قاعدة بروز ظاهرة الإرهاب، والعنف السلطوي المتبادل، فدمّرت سوريا وتشرد السوريون، ولم تزل السلطة الفاسدة المستبدة لا تتجاوب مع مصالح مواطنيها!!

وعلى المراقب والمعارِض أن يقرأ التداخل التاريخي للتأثير السلبي السوري على الوضع اللبناني إبّان المراحل المختلفة وأخذ العِبر من كل ما يجري على الساحتين اللبنانية والسورية.

*رئيس الحركة اليسارية اللبنانية

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".