الإعلام والتحديات الوجودية!

رامي الريّس |

 لطالما كان للإعلام الحزبي نجاحاته وإخفاقاته، فهو يقع أمام مأزق التوفيق الدائم بين توقعات ومتطلبات الجمهور الحزبي وبين مخاطبة الجمهور العريض خارج الإطار الحزبي، وتتضاعف المصاعب عندما تكون المشاعر التي تكتنف كل من هذين الجمهورين على طرفي نقيض في لحظة سياسية حرجة أو حساسة (وما أكثر هذه اللحظات في حياتنا الوطنية اللبنانية).

 

وإذا كان الإعلام التقليدي مأزوماً نتيجة الواقع الجديد الذي فرضته الثورة التكنولوجية الحديثة وإقتحام وسائل التواصل الإجتماعي للمجتمع بشكل عام وصعود دور هذه الوسائل كاحد أبرز عناصر تشكيل الرأي العام؛ فالأكيد أن الإعلام الحزبي لن يكون بمنأى عن هذه المتغيرات الهيكلية التي فرضت نفسها بشكل قوي على مختلف المستويات.

 

ولا شك أن مفاهيم الإعلام الحزبي القديم الذي كان يتمظهر في صحف ودوريات وملصقات مطبوعة خضع لتحولات في الشكل والمضمون مع سقوط القدرة على احتكار الكلمة والرأي لا سيما في الأنظمة القمعية والتوتاليتارية، بحيث أصبح بإمكان أي مواطن أن يعبر عن وجهة نظره دون أن يضطر لمحاباة أصحاب الصحف والمطبوعات لنشر مقالاته أو آرائه على صفحات الجريدة.

 

 وطابع العلاقة الإحتكارية المتبادلة بين الصحيفة الحزبية والقارىء تبدلت بدورها، فرغم ولاء القارىء لصحيفة حزبه، لكنه أصبح يمتلك مروحة واسعة من الخيارات المفتوحة أمامه، ولعل هذا يساهم في رفع مستويات الوعي السياسي التي تتيح بدورها ممارسة الحرية بمسؤولية كما وصفها كمال جنبلاط.

 

بالتوازي، لم يعد ممكناً إغفال أزمة العمل الحزبي في لبنان عموماً وإنعكاس ذلك بدوره على الإعلام الحزبي، فالانكفاء الجماهيري عن الانضواء تحت لواء الأحزاب السياسية وتحميلها جماعياً (دون تمييز في أحجام المسؤوليات) رداءة الوضع الراهن (وقد يكون محقاً جزئياً بذلك) إنما يتطلب من الأحزاب الإنخراط الفوري في تقييم خطابها وأدوات عملها ومقارباتها السياسية للشؤون الوطنية والاجتماعية لشؤون الناس.

 

لا شك أن النقاش يطول في هذه العناوين والقضايا، ولكن الأهم هو أن "الأنباء" بما تمثله من تراث سياسي وفكري ونضالي تنطلق نحو وثبة جديدة ستسعى من خلالها لمحاكاة الإشكاليات أعلاه وستحاول جاهدةً لمواكبة التطورات التي فرضتها التحولات التكنولوجية وتجهد لتحويلها من تحديات سلبية إلى طاقات إيجابية تخاطب عبرها شرائح جديدة، لا سيما الشبابية منها.

 

التحدي كبير، ولكنها ليست المرة الأولى التي تعيش فيها "الأنباء" المنعطفات الصعبة، لا بل الوجودية في بعض الأحيان، وكانت في كل مرة تخرج أكثر صلابة وحضوراً وحريةً.

 

...نحو حقبة جديدة من النضال الفكري والسياسي والإعلامي.