أوهام... وتزول..

ألحان الجردي |

نظر إليها بعدما هدأت دموعه، قال بعقله اللاواعي:" كم هي جميلة وقوية "
شعر بين ذراعيها بالأمان، إستطاعت أن تهدّئ خوفه وضعفه بعد أن سقط وجرح ساقه،
بعد قليل دخل ذلك العملاق الذي يُشعره بالرهبة، واقترب منه قائلاً :"لا يجوز أن تبكي فأنت رجل، لا أريد رؤية دموعك بعد اليوم"
خفق قلبه ذعراً لهول ما سمع من معانِ غير واضحة المعالم، لكنها بدت كلمات مخيفة.
بعد سنوات....
نظر إلى المرآة، فانتابه إحساس جامح بالفخر والرضا، خرج مُتلهّفاً للقاء تلك الفتاة الجميلة التي يسعى لإبهارها بشجاعته،
إستوقفته عند الباب قائلة:" أرجوك لا تتأخر بالعودة، لا تجعلني أقلق عليك"
إلتفت إليها بسرعة وقال:"لا تقلقي"
إنتابه في تلك اللحظة شعور غريب نحوها، "كم هي مختلفة، لم يعد يرى ذلك الجمال، وما عادت لمساتها تُشعره بالأمان على العكس فقد صار يتهرّب من ذراعيها،
وقبل أن يخرج ناداه صوت أجشّ قائلاً :"لا تتأخر، مفهوم"
نظر إلى الذي اعتقده عملاق في يوم من الأيام، وشعر بالسعادة لأنه لم يعد يثير الرعب في نفسه، بل لقد بات ندّاً له، اليوم هو قادر على تجاهله والرحيل.
بعد مرور زمن....
دخل مع زوجته وولديه إلى ذلك المنزل الذي كان يبدو فيما مضى كبيراً شاسعاً، جلس على الأريكة يستريح، كمن يُلقي بأثقال الدنيا عن كاهله،
اليوم لم يعد يشعر بوهج القوة والحرية التي أشعرته بسعادة عارمة في السابق، بدا له في تلك اللحظة أنّ كامل قواه وحريته ليست كافية لمواجهة مصاعب الحياة،
نظر إلى الشخصين الجالسين قُبالته وتساءل:"هل هما الشخصين نفسهما؟" لوهلة إختلط الأمر عليه، أحسّ بالغرابة "إنهما شخصين مختلفان"
لقد اضمحلّ حجم ذلك العملاق وغزا رأسه الشيب، وغاب الجمال والزهو عن وجهها وحلّت مكانهما الخطوط والهالات الشاحبة،
"كيف شعر يوماً بالخوف من هذا الرجل المُتعب؟، وكيف كانت هذه المرأة تُثير في نفسه الإنبهار؟"
بعد أعوام طويلة...
نظر إلى الطفل الذي لطالما هدهدهُ لينام، وملأ قلبه الأسى حين ثار ذلك "الطفل" الشاب القوي في وجهه قائلاً "دعني وشأني"
مشى إلى الغرفة ببطء، حيث صارت ساقاه متعبين، وقف أمام المرآة فاجتاحه تيّار من الخوف والشجن، فتساءل بصدق :" من هو هذا الشخص ؟"