شوائب تواجه الديمقراطية

22 كانون الثاني 2021 08:23:38

واجهت الديمقراطية العصرية مخاطر كبيرة في السنوات الأخيرة، لعلَّ أبرزها التداعيات التي رافقت الانتخابات الرئاسية الأميركية، وأبرزها عملية اقتحام مبنى الكابيتول في واشنطن، من قبل جموع شعبية من مناصري الرئيس السابق، دونالد ترمب، وقيل إن العملية جرت بطلب منه، وفق ما صرّح محاميه الشخصي، رودني جولياني، الذي قال: «يجب حل الخلافات في ميدان المعركة»، في إشارة واضحة لدعوة المؤيدين إلى تعطيل عملية الانتخاب التي كرِّست فوز الرئيس جو بايدن، رسمياً، من قبل أعضاء الكونجرس، والتي كانت مقررة في اليوم نفسه.

 والفوضى التي واجهت عمليات انتخابية في العديد من الدول التي تعتمد نظام الديمقراطية الشعبية؛ ألقت بظلال واسعة على القواعد القانونية والدستورية، وأخلّت بالمعايير الموضوعية المُعتمدة لإنتاج الفئة التي تتولّى زمام الحكم. فهناك مَن صعّدته هذه الديمقراطية على أجنحتها الذهبية، وقد أخلّ بالوعود، أو انحرف عن الأهداف المرجوة، وجنح باتجاهات عنصرية، أو انقسامية تتنافى مع مبدأ المساواة الذي تعتمده الديمقراطية. كما هناك من فاجأ الجمهور عندما وصل إلى الموقع المتقدم – رئاسي أو نيابي أو وزاري – وبدت شخصيته في ممارسة الحكم مختلفة تماماً عن الشخصية التي عرفها من انتخبوه إبان مرحلة ما قبل الانتخابات، وغالباً ما تأثر هذا الجمهور بالدعاية الانتخابية، أو بالميثولوجيا العقائدية، أو الأمنية، قبل التصويت له. والنموذج الآخر الذي ظهر أيضاً، يرتكز إلى اعتبار الجمهور «وسيلة» ضرورية للوصول إلى الحكم، بينما هدف هذا الوصول ليس لرعاية مصالح الدولة، بل لتنفيذ أجندة شخصية، أو تحقيق منفعة لقوى خفية تقف وراء الشخص المعني، قد تكون هذه القوى؛ شركات، أو جهات مؤثرة ونافذة أُخرى. وقد حصل أن وصل أشخاص إلى الحكم عن طريق الانتخابات، ولكنهم اندفعوا باتجاهات شوّهت النظام الديمقراطي الذي أوصلهم، وأضرّوا به، وهذه التجربة مرّت فيها العديد من الدول التي حكمها أشخاص ذوو ميول دكتاتورية.

يقول الدكتور الكندي المعروف آلان رونو، في كتابه «نظام التفاهة» (الصادر عن دار سؤال- بيروت 2020) «إن المرحلة التي نمرُّ بها ليس لها مثيل في التاريخ، وتسود فيها سيطرة التافهين في الأغلب، ولنظام التفاهة؛ أدوات تافهة، وشخصيات تافهة»، وفي قراءة الكتاب يتبين أن مقاصد رونو تتجه نحو مسؤولين ورؤساء وصلوا إلى الحكم عن طريق تضليل الجمهور بكاريزما شكلية شعبوية، وعن طريق استخدام أدوات وتقنيات حديثة لا تُقدم صورة حقيقية عن الواقع، وهذه الأساليب الدعائية الجديدة غالباً لا تُعطي التجربة التاريخية للشخص، ولا للمواصفات الإنسانية والآدمية الأصيلة اعتبارات واسعة.

 ويقول المفكر اللبناني الراحل كمال جنبلاط: «الديمقراطية الجديدة يجب أن تكون مُقيَّدة بمعايير الانتظام، فلا تتحول إلى دكتاتورية، ولا إلى فوضى، ومهمة هذه الديمقراطية إيصال النُخبة إلى الحكم»، ويمكن أن تقودنا هذه المقاربات إلى الإشارة لنماذج كانت، وما زالت معتمدة في التقاليد العشائرية، أو في بعض الدول، وهي إلزامية خضوع المرشح لأي موقع قيادي إلى امتحان تأهيل لمعرفة قدراته العقلية والذهنية والعلمية والمعنوية، من قبل هيئة مستقلة من حكماء مُجردين عن أي مصلحة، أو أي أهواء، لكي يُسمح للمؤهلين منهم في هذه النواحي بالترشّح للمواقع المُتقدمة.

 وثبُت من خلال التجارب الماضية؛ أن الأنظمة الديمقراطية المفتوحة والمتفلّتة من القيود سمحت للجماعات العنصرية المتطرفة بأن تُعزّز تأثيرها في الحياة الوطنية للعديد من الدول، كما أنها فتحت الأبواب للتعصَّب الديني الأعمى بأن يتغلغل في زوايا المجتمعات المُؤمنة، رغم تعارض هذا التعصّب مع ثوابت كل الديانات السماوية السمحاء، وقد تزايد تأثير الأموال الساخنة (غير المعروفة المصدر) في استمالة الناخبين، أو في تمويل الحملات الانتخابية، حتى في بعض الديمقراطيات الغربية العريقة.

 اللحظة السياسية التاريخية تفرض تطوير مفاهيم الديمقراطية المُتفلتة، وهي تحتاج إلى منظومة دفاع عنها كي لا تنحرف باتجهات بعيدة عن مقاصدها. كإصدار إعلان عالمي، أو عهد دولي يُحدّد معايير النُخبة وآليات الترشيح، بحيث لا يمكن قبول أي من المُرتكبين لتجاوزات تتعارض مع مبادئ القانون الدولي الإنساني، أو الذين لا تحمل سيرتهم الذاتية قِيم الفضيلة، والمساواة. 

من حق البشرية أن تتنبّه لما يمكن أن يحصل من انزلاقات أو جنوح عن بعض الشخصيات المُنتخبة، قد تُهدد العالم برمته في ظل وجود أسلحة نووية. ولا بد من عقلنة الديمقراطية كي تُعطي الفرصة للنخبة بتولي قيادة الحُكم.