عُمان سلطنة التمايُز الإستراتيجي المُتجدِّد

20 كانون الثاني 2021 20:47:18

لسلطنة عُمان عبر التاريخ وضعية مُتمايزة عن محيطها، وهي تتمتع بأهمية استراتيجية خاصة، لكونها تملك شاطئاً حيوياً يلامس أهم الممرات المائية الدولية في الخليج العربي وبحر العرب والمحيط الهندي، ويتمدد على مسافة تتجاوز 3165 كيلومتراً، ومساحتها التي تتربع على أكثر من 310 الآف كيلومتر مربع تُعطيها قيمة جيوسياسية إضافية، باعتبارها رابطاً بين دول المنطقة اللدودة، وفاصلاً بينها في الوقت ذاته. وهي تملك ميزة تفاضلية تاريخية، لأنها كانت إمبراطورية مترامية في القرن السادس عشر والقرن السابع عشر، وقد ضمَّت جزءاً من بلاد فارس على الضفة الشمالية الشرقية من الخليج أيام السلطان سليمة بن مالك في القرن الـ17. حتى أن تمايزها الإستراتيجي يشمل خصائصها الدينية الإسلامية، بحيث تمكنت الإمامة الإباضية من فرض سيطرتها الديموغرافية والسياسية، برغم وجود فئات واسعة من شعبها يتبع للمذاهب الإسلامية الأخرى، لا سيما السنّية والشيعية.
 
ولأن السلطنة تاريخياً أخذت إستقلالية عن المرجعيات العباسية والفاطمية، فقد إعتادت عائلة بن سعيد (او أبو سعيد) الحاكمة على أخذ مسافة من قوى الإستقطاب الإقليمية، حتى خلال فترة الاستعمار البريطاني للبلاد، وكانت موانئها المُتعددة التي تتمدَّد من قرب مدينة عدن جنوباً حتى مضيق هرمز في الشمال الشرقي؛ مراسيَ لسفن الدول المتخاصمة، بما فيها القطع البحرية الصينية والروسية والفرنسية والإيرانية والعربية، والتي تأتي من أقاصي الشرق عابرة نحو الغرب وبالعكس.
 
لقد تميّزت سياسة السلطان الراحل قابوس بن سعيد الذي قاد البلاد لما يقارب 50 عاماً؛ بالوسطية، وهو اتخذ من الحياد والاعتدال نهجاً في سياسته الخارجية، وكان وسيطاً في الخلافات او النزاعات التي نشبت بين دول عربية مجاورة، وبين بعض من هذه الدول وإيران. كما استضافت حكوماته حوارات سرية وعلنية متعددة بين قوىً متصارعة، منها على سبيل المثال: الحوار بين الحكومة الأفغانية وحركة "طالبان"، وبين هذه الأخيرة والولايات المتحدة الأميركية والتي استعانت بمسقط ايضاً لتحرير الرهائن الأميركيين من إيران وكذلك الذين أحتجزهم الحوثيون في اليمن. والسلطنة كانت قد نجحت في إنقاذ حياة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي عام 2015 ونقلته بطائرة عُمانية من صنعاء الى السعودية بعد أن سيطر الحوثيون على العاصمة. ومسقط استقبلت مسؤولين إسرائيليين مرات عدة، من دون أن تُقيم علاقات دبلوماسية مع تل أبيب، كما أنها لم تقفل سفارتها في سوريا كما فعلت الدول العربية الأُخرى بعد إنتفاضة العام 2011.
 
وعلى الشاكلة ذاتها، مارست مسقط مؤخراً دوراً توفيقياً بين قطر من جهة ودولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية من جهة ثانية، ونجحت بمساعدة كويتية وأميركية في إجراء المصالحة التي تُوّجت في عقد قمة العُلا في 5 كانون الثاني (يناير) 2021، والتي حضرها وزير خارجية مصر أيضاً، تأكيداً على إنهاء خلافات هذه الأخيرة مع قطر، ولتوفير زخم للتوجهات الخليجية الجديدة التي وضعت خطوطاً حمراء أمام الإنفلاش الإيراني في المنطقة.
 
والسلطان هيثم بن طارق بن سعيد الذي تولَّى القيادة بعد وفاة السلطان قابوس في 11/1/2020؛ وبناءً على وصيته؛ هو ذاته الذي لعب الأدوار البارزة في تنفيذ سياسة قابوس خلال ما يقارب 25 عاماً، خصوصاً عندما تولىَّ وزارة الخارجية.
 
يبدو أن سياسة التمايز الإستراتيجي العُمانية ستستمر في عهد السلطان هيثم بن سعيد على المستوى الخارجي، وهو انطلق باندفاعة نوعية أيضاً على المستوى الداخلي، برغم الأزمة المالية الخانقة التي تعيشها البلاد بعد تراجع أسعار النفط، وجرّاء الإنكماش الذي سببته جائحة كورونا، حيث وصل العجز في موازنة السنة 2021 الى ما يزيد على 8 مليارات دولار أميركي، كما تراجع تصنيف عُمان الإئتماني الى ما دون BB- .
 
لقد شكل المرسومان المهمان اللذان أصدرهما السلطان هيثم بن سعيد في 11 كانون الثاني (يناير) 2021؛ قاعدة للتوجهات التغييرية الداخلية المتمايزة ايضاً. بحيث عدَّل بموجب المرسوم الرقم 6/2021 النظام الأساسي للدولة (الدستور) وأرسى قواعد لطريقة اختيار ولي العهد الذي جعله من نصيب الابن الأكبر للسلطان إذا لم يكُن هناك مانع صحي أو عقلي، وعين ابنه الأكبر ذي يزن بن هيثم في هذا المنصب. أما المرسوم الرقم 7/2021، فقد تضمن إنشاء مجلس عُمان (البرلمان) مع تحديد صلاحيات تشريعية واسعة له، وأعطاه حق مساءلة الحكومة، بعد أن كانت هذه المهمة مُناطة بمجلس الشورى (مجلس شيوخ) ولكن على درجة أقل فاعليه، وأصبح المجلسان المنتخبان يمثلان السلطة التشريعية في البلاد.
 
إلا أن الأهم من كل تلك التطورات التي حصلت في السلطنة المترامية والتي لا يتجاوز عدد سكانها 5 ملايين نسمة - نصفهم من غير السكان الأصليين – تبقى كيفية تعامل مسقط مع ملف العلاقات الخليجية – الإيرانية المتوترة، وهي في الوقت ذاته عضو في مجلس التعاون الخليجي، والوحيدة التي تتمتع بعلاقات جيدة مع إيران بعد أن اضمت قطر الى الإجماع الخليجي، كما أنها تملك الأراضي التي تُشاطئ مضيق هرمز الإستراتيجي من الجهة الجنوبية الغربية، وهذا المضيق يعتبر بمثابة خط تماس بين إيران والبحرية الأميركية التي تملك قواعد عسكرية متعددة في منطقة الخليج.