أميركا...ما يدور على أرضها؟

17 كانون الثاني 2021 11:57:46

ما حدث في 11 أيلول عام 2001 أمرٌ لا يمكن تصديقه ونسيانه، واعتباره على أنه خرقٌ جوي لا مثيل له في العلم العسكري والمخابراتي لدولةٍ خارجةٍ من حرب باردة، وكانت في خضم التخطيط لحرب النجوم مع الاتحاد السوفياتي السابق...

تفاصيل ذاك الاعتداء وأسبابه لم، ولن، يُكشف النقاب عنها، وهو أمرٌ مبهمٌ داخلياً وخارجياً لتاريخه، وسيبقى.
لماذا نُفّذ؟
ومن نفذ؟
ولصالح مَن نُفّذ؟ 

وما أعقبه من الهجوم على العراق، بحجة امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل التي اتُّهم زوراً بامتلاكها، تمهيداً للاستيلاء على نفطه وخيراته، والقضاء على تاريخه العميق المتجذر في التاريخ.

وما حدث بالأمس، أو ما يُعرف ويسمّى بغزوة الكونغرس، أمرٌ لا يقل أهمية، ومشابهٌ، لما حصل عام 2001، ولكن بوسائل مختلفة: الأولى أُلبست لباس الإسلام المتطرّف، واليوم باليمين الأميركي المتطرّف.

تلك أميركا، أعتى وأقوى دولة اقتصادياً، وعلمياً، وعسكرياً في العالم على مرّ التاريخ، وقلّما رأينا أو سمعنا عن قوة امتدّ نفوذها الاقتصادي، والعسكري، والعلمي، كما أميركا الحالية.

على أرضها أفضل الأجهزة المخابراتية والأمنية تسليحاً، وتدريباً، وأجهزة تنصتٍ ورصدٍ فضائية وأرضية.
بوارج وحاملات للطائرات ميزانيّاتها أكبر من دول مجتمعةٍ.

العديد من الفِرق العسكرية المُركّبة فوق بعضها البعض من أمنيةٍ، وحرسٍ وطني، وحرس الولايات، والدفاع المدني، والقوى البلدية بشكلٍ متقن ودقيق.

إذ كيف لدولةٍ مركزيةٍ بهذا الحجم الهائل المخيف، والمرعب، والمعقّد، والمنظّم بصورةٍ قلّ مثيلها، وهي مصدر خوفٍ مُميت لمن تسوّل له نفسه حتى مجرد التفكير بعمل تخريبي؛ وكيف لولايات منفصلة بحرسٍ خاصٍ بها، وبقوانين وأنظمة مستقلة الواحدة عن الأخرى؛ وكيف لجيشٍ مدججٍ بأنواعٍ مختلفة من آلات الردع والقمع والحماية؛ ولأجهزة تنصتٍ سلكية ولاسكية، ولأجهزة المراقبة الدائمة، الجامعة، الجاثمة على قلوب الأميركيين ليل نهار؛ أن تُشلّ فجأة.

كيف لأجهزة المخابرات، والأجهزة الأخرى، ولكل كاميرات المراقبة أن لا تعمل أو تُعطَّل؛ أو لا يستجيب أحد لنداء الاستغاثة لهذا التجمّع العارم من المقتحِمين المتطرفين الرعاع الذين توافدوا من ولاياتٍ متعددة؟

كيف حدث ذلك، وتحت وصاية مَن، وبأمر مَن، و"بقبةِ باط" مِن مَن؟!
سرقوا، ونهبوا، وحملوا المغانم معهم، وكأنّها مغانم حرب.

على بُعدِ كيلومترٍ ممنوع حتى النظر للبيت الأبيض، ووزارة الدفاع، ومبنى الكابيتول، فكيف يُقتحَم مبنى الكونغرس، ويُعبَث بمحتوياته، ويدخلوا إلى القاعة العامة، وغرف النواب، وذلك خلال جلسةٍ عامة، ما يعني القوى الأمنية على جهوزية تامة ومستنفرة، وعلى أهبة الاستعداد؟؟
كيف حدث ذلك؟
أين أمن النواب ورئاسته؟
أين الهيبة والسطوة الأميركية في الداخل؟
هل ذلك...
خرقٌ أمني، أم انقسامُ الأجهزة على بعضها؟
أم بداية النهاية والتفكّك للغطرسة؟
الذي فعلوه ويفعلوه بالعالم أصبح في الداخل الأميركي.

ومهما تنصلوا، وضلّلوا، وحرّفوا، وقالوا، وبرّروا، فهو أمرٌ لا يمكن تصديقه أن يحدث ذلك بليلةٍ  يحدث ذلك.

وتبقى التساؤلات، مَن سهّل، ومرّر، وترك، وأمرَ هؤلاء المحتجّين على نتائج الانتخابات الأخيرة أن يسرحوا، ويمرحوا، ويعبثوا بالمجلس التشريعي الأميركي بتلك الصورة المقزّزة.

ومن أمام، وفي داخل، أقوى المؤسّسات الديموقراطية التي تتباهى العظمة الأميركية بها، ومعها القوى الأميركية على كافة المستويات شعباً وقيادةً؛ صعبٌ جداً، لا بل من المستحيل أن يحصل ذلك أمام مجلس النواب اللبناني، فكيف حصل في أميركا؟
وتنسحب الأسئلة التالية...
هل يستلم بايدن الحكم؟
هل سيتنازل ترامب طواعية؟
وما يفعل اليوم؟ وهل سيحضر حفل تسلّم مقاليد السلطة؟ 
وبعد مضي أربع سنوات من الآن، هل سيترشّح مرة ثانية، أو مَن يدور بفلكه؟

إن ما فعله ترامب بمثابة ضربة قاصمة للديموقراطية لا تقدّر بأثمان، وحتى وإن سلّمنا جدلاً بحدوث  تزوير في الانتخابات، فليس بهذا الأسلوب، وبتلك الطريقة يعبّر عن اشمئزازه، ورفضه لنتائجها.

وبنفس السياق، إنّ حشدَ هذا الكم الكبير من الحرس الوطني لحماية عملية مراسيم تنصيب الرئيس المنتخَب، بايدن، له دلالاته المهمة.
هل هذا الوضع شبيهٌ بحالة الاتحاد السوفياتي عام 1989؟
مَن سيحمي إسرائيل عندئذ، والعروش الباقية؟

والسؤال المركزي المهم الذي يجب أن يقلق أي رئيس قادم، ومعه المؤسّسات الحكومية كافة، هو أن هناك 74 مليون أميركي انتخبوا ترامب، وهو عددٌ ضخمٌ جداً لرئيس شعبوي أثبتت السنوات الأربع  من حكمه أن لا قيمة شخصية له داخل المؤسّسات الأم في أميركا، وكأنه أتى من عالمٍ آخر، أو من خارج عباءات النفوذ المتعارف عليها أميركياً.

ورغم انتهازيّته، وتعجرفه، وأسلوبه الفريد لمفهوم السلطة التي حوّلها إلى حلبة صراعٍ كحلبة الملاكمة التي يجيدها بإتقان، فقد تحوّل ترامب ونهجه إلى حالةٍ شعبية داخل الوسط الأميركي، وانتشرت معها الحالة العنصرية متغلبةً على الحسّ الوطني العام.

تبقى غزوة الكونغرس هي الحدث الأهم والأول في العالم، وعلى المؤسّسات الأميركية توضيح أسبابها، وإلّا فإنّها بأرجلها سائرةٌ نحو مزيدٍ من التقوقع والانشقاق، عامودياً وأفقياً.

ما يدور في أميركا ليس أبداً سهلاً وبسيطاً، أو حالة عابرةً بكل المقاييس والمواصفات.

هناك مثل شعبي يقول، ونردّده عندما تلوح الفرصة: طابخ السّم آكله.

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".