هل يمكن لاقتصاد المعرفة وقطاع التكنولوجيا أن يشكّلا الحل؟

10 كانون الثاني 2021 18:50:00 - آخر تحديث: 10 كانون الثاني 2021 18:54:41

فيما الانهيار مستمر بوتيرة سريعة نحو الهاوية مع ما تبقى من نظام ومؤسّسات، وفي الوقت الذي تحقّق فيه كل المؤشرات المالية والنقدية والاقتصادية أسوأ أداءٍ لها على الصعيد الوطني، يمكن أن يشكّل اقتصاد المعرفة وقطاع التكنولوجيا والاتصالات واحداً من الحلول السريعة للأزمة الاقتصادية إذا أحسنّا تنظيم هذا القطاع. تكمن أهمية هذا القطاع في إمكانية تصدير منتجاته بشكل سريع، ودون معوقات لوجستية لجهة النقل، وفي عدم حاجته إلى رؤوس أموال نقدية كبيرة. كما يمكن لهذه السلع والمنتجات أن تؤمّن قيمةً مضافةً مرتفعة، وتساهم في حلّ أزمة شحّ العملات الأجنبية. ويحتاج هذا القطاع إلى موارد بشرية متخصّصة، وهي موجودة بكثرة في لبنان، فيساهم بالتالي في خلق فرص عمل، وفي تخفيف هجرة الأدمغة.

في العام 2014، أطلق المصرف المركزي منصةً للمساهمة في الشركات التكنولوجية الناشئة من خلال تعميم حمل الرقم 331، فساهمت بعض المصارف في تمويل بعض المؤسّسات الناشئة. ويضمّ هذا القطاع حالياً نحو 800 شركة غالبيتها صغيرة ومتوسطة الحجم، ومجملها شركات توزيع وبيع، وهو قطاع يتّجه تدريجاً من أنشطة التجارة إلى الإبداع والابتكار. بالرغم من ذلك بقي حجم مشاركة القطاع في الناتج المحلي خجولاً، ولم يتجاوز 1 %  في العام 2016، مع حجم قطاعٍ يقدّر ب 436 مليون $ . ولم تتجاوز نسبة مساهمة القطاع في الناتج المحلي 3% في نهاية العام 2019،  بينما شكّلت مساهمة القطاع في الناتج المحلي المصري 4 % مثلاً. أمّا في الأردن، وفي العام 2019، فقد شكّلت نسبة المساهمة المباشرة في الناتج المحلي الإجمالي 12 %، ونمو العوائد السنوية 7.33 %، وكان عدد المؤسّسات النشيطة في القطاع حوالي 600 شركة توظف 18 ألف عامل بشكلٍ مباشر، وتؤمن 84 ألف وظيفة في مختلف القطاعات الأخرى. 

لقد بلغ إجمالي الإنفاق العالمي على تكنولوجيا المعلومات في العام 2019 حوالي 3.79 تريليون $ (أي 5 % من حجم الناتج الإجمالي العالمي)، وبلغ مع حلول العام 2020 حجم الإنفاق العالمي على القطاع 3.93 تريليون $، وذلك رغم حالة عدم اليقين الناتجة عن تداعيات جائحة كورونا والتوترات الاقتصادية بين عدد من الدول. وازداد استخدام التكنولوجيا الرقمية بحلول العام 2020 بإضافة 1.4 تريليون $ إلى إجمالي الناتج الاقتصادي العالمي، حيث يُعتبر قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أحد أكبر القطاعات نمواً في العالم. لقد نمت وظائف الكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات في الولايات المتحدة الاميركية وحدها في العام 2020 بنسبة 22 %، وخلقت 758 ألف وظيفة جديدة. وتؤكّد النتائج من مختلف البلدان التأثير الإيجابي لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات على زيادة الناتج المحلي الإجمالي. فعلى سبيل المثال، ترتبط زيادة انتشار التكنولوجيا بنسبة 10 % بزيادة قدرها 1.4 % في نمو الناتج المحلي الإجمالي بالأسواق الناشئة، ويمكن أن يصل هذا الرقم إلى 2.5 %.

هناك فرص استثمار مرتفعة في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في لبنان. ومن المتوقع أن يؤثّر هذا القطاع إيجاباً على الناتج المحلي بحوالي 10 %. كما تحاول مؤسّسة ضمان الاستثمار في لبنان (إيدال) المساعدة في هذا القطاع من خلال تقديم سلةٍ من الحوافز والإعفاءات المالية العامة، مثل الإعفاءات من ضريبة الدخل على الشركات، والتي يمكن أن تصل إلى 100 % ولمدة 10 سنوات. إنّ الأزمة المالية والنقدية، وبالرغم من صعوبتها، قد زادت الميزة التفاضلية لهذا القطاع، فتراجُع الأجور، وكلفة العمالة في لبنان (بسبب تراجع قيمة النقد الوطني من جهة، وتراجُع مستوى المعيشة من جهة أخرى) مقارنةً بكلفة العمالة في الولايات المتحدة الأميركية، وأوروبا، ودول مجلس التعاون الخليجي، هو ميزة تنافسية.

وبحسب (إيدال)، هناك الكثير من المزايا التنافسية في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات المحلي، والتي تسفر عن عددٍ من الفرص التجارية في القطاعات الفرعية، والتي لديها مستقبل اقتصادي، وهي: الألعاب الإلكترونية، والرعاية الصحيّة الإلكترونية، والتسويق الإلكتروني (تضاعفت فرص هذا القطاع بفعل الإقفال الناتج عن جائحة كورونا)، والبرمجيات والإعلام الرقمي، والخدمات الاستهلاكية، مثل التطبيقات، والشبكات الاجتماعية، وبناء المحتوى، وأخيراً الخدمات المالية والموقع الإلكتروني. الجدير ذكره هو أن اعتماد العملة الرقمية التي أصبحت حاجةً بالنسبة للاقتصاد اللبناني، ستحتاج بشكلٍ دائم إلى تطوير وتحديث للمنصّات، مما يؤدي إلى زيادة الاستثمار والإنفاق في هذا القطاع.

ختاماً، يحتاج اقتصاد المعرفة وقطاع تكنولوجيا المعلومات إلى تنظيمٍ ومواكبة على المستوى الرسمي، وذلك من خلال التشريعات والقوانين لحمايته. كذلك يحتاج إلى تطوير المناهج التربوية من خلال إدخال مواد البرمجة والتشفير إليها.

لذلك، من المفيد الإعداد لخطواتٍ تشريعية وتنفيذية تواكب هذا القطاع، وإطلاق الحاضنات التكنولوجية لمواكبة أعمال المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة في انتظار تشكيل حكومةٍ تعيد الثقة إلى الاقتصاد، وإلى المواطن، على حدٍ سواء.

(*) عضو هيئة مكتب المجلس الاقتصادي الاجتماعي

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".