فريد جبران.. المناضل التقدمي النقابي

09 كانون الثاني 2021 19:01:32

شهر وخمس وعشرين سنة... مضت على الحادي عشر من كانون الأول عام خمسة وتسعين...ذكرى رحيل وغياب الرفيق والقائد وأحد المؤسسين المناضلين للحزب التقدمي الإشتراكي... رحل فارساً مناضلاً...وتبقى الذكرى والمناسبة أليمة...في ضمير الأحرار. 

ولأننا في ذكرى رحيله... ووفاء لمسيرته النضالية...الزاخرة بالمواقف والمحطات النضالية الحزبية...لابد من تجديد الوفاء والالتزام بفكر ونهج المؤسسين، وبمسيرتهم النضالية المستمرة...وتحقيق تلك المقولة والعنوان الثوري وفق مقولة "نكون أو لا نكون".

مضى أكثر من عقدين ونصف على رحيله... ولا يزال ذكره حياً في أذهان وصفوف العمال والفقراء... لأن بطينته وجوهره وفكره...هو من الرجال الرجال الذين تركوا في وطنهم وشعبهم بصمات خالدة لا تمحى...

فحياته كانت مليئة وزاخرة بالأعمال والمواقف الوطنية الخلاقة والحزبية... وقد يكون مفيداً استذكار بعض مزاياه ومواقفه الوطنية والتقدمية في كل المنعطفات الوطنية والأحداث والنضالات البرلمانية... فكان له في كل المفاصل الرأي والموقف الصلب في القضايا الأساسية...

كم نفتقدك اليوم يا رفيق فريد...يا عظيماً كان لشعبه ومناضلاً يقتدى به...وسيبقى عنواناً...وكتاباً نضالياً زاخراً...نقرأه في عتمة الفجر...ويبقى الصوت الصارخ...حتى يكون الصباح...وتتأكد انتصار قضيتك...ببناء الإنسان والقيم والأخلاق الاجتماعية والسياسية والنقابية...لأنك وهبت حياتك لقضايا الجماهير ودافعت عن حقوقها وتطلعاتها الوطنية والقومية...من أجل الحرية والديمقراطية والسلام...

فريد جبران...صفحة نضال وصرخة بطل برلماني...وغايته كما عبّر عنها في معركة الدواء عام 1960 "إنني أحارب جشعهم وأطماعهم، وألاعيبهم، وتزويرهم، لكي أنقذ الفقير"... ويستمر حربه على النظام الذي وصفه في بداية السبعينات في الدور التشريعي الثالث عشر قائلاً:"هذا النظام القائم على السمسرات والسرقات. هذا النظام الذي دلّ على أنه نظام فاشل، لأنه ليس بالنظام الاقتصادي الحر". وأكد في العام 1974 "أننا كلنا متفقون على أن المشكلة الأساسية التي يعاني منها اليوم الشعب اللبناني هي قضية الغلاء. وأنني أقول إن السبب الرئيسي الذي يعاني منه الشعب اللبناني هي قضية الغلاء. وإنني أقول إن السبب الرئيسي لهذه المشكلة هو هذا النظام، النظام الاقتصادي الحر والنظام القائم على الاستغلال والسرقات".

عناوين كثيرة ومترابطة قادته إلى النضال الدائم، وهو أحد مؤسسي الحركة النقابية في لبنان، فقاد معركة قانون الإيجار ومعركة ضريبة الدخل، وطرح قانون العمل الجديد، ورفض الإجحاف اللاحق بالفئات الكادحة، وناضل إلى جانب عمال الهاتف وناضل من أجل إقرار زيادة الأجور وفق ما يفرضه العدل والضمير. وعمل على توحيد المناهج والكتب المدرسية، وناضل ليكون لبنان دولة حيادية بالمعنى الصحيح، وناصر الشعوب التي تناضل من أجل حريتها واستقلالها وحقوقها ورفاهية أبنائها... إنها صفحات قضية في مسيرته النضالية، ولا ننسى كم عمل وناضل من أجل تدعيم الصداقة بين الشعب اللبناني والشعب الألماني الديمقراطي، حيث أمضى حياته في خدمة تلك الصداقة، واستحق عن جدارة "وسام السلم الألماني" لأنه أمضى حياته في خدمة الصداقة بين الشعبين. 

صفحات غنية بالنضال والمواقف علينا التوقف عندها في ذكرى غيابه، وما تزال صرخته ونداءه ودعوته الصادقة للشباب، حيث قال في العام 1980 "هاتوا جميعاً معاولكم وأقلامكم لنبني لبنان، لبنان القديم الجديد، ولننشد جميعاً كلنا للوطن". "ونحن إذ نرحب بالشباب يتقدم ليحمل المسؤولية العامة، لابد أن أذكر أن الشباب الذي يؤمل فيه تحقيق إصلاحات جذرية، هو الشباب الملتزم بالمبادئ التقدمية والوطنية، وهو الشباب الذي تمرس بالنضال وعانى من فساد النظام وإفلاسه".

وأخيراً  وأمام ذكرى رحيله، وهو الذي كان دائماً إلى جانب المعلم في صلب الحدث والموقف بنظرة حكيمة نضالية ورؤية تقدمية في مدرسة الحياة والفرح والنزاهة، يبقى ويستمر راية نقابية برلمانية نضالية مضيئة لينير عتمة الطريق بنور الثورة والرسالة التقدمية المنفتحة والإنسانية لانتصار قيم الحق والعدالة والسلام والمساواة الجوهرية  وترسيخ العدالة والحرية والعروبة والاشتراكية وتحقيق شعار المواطن الحر والشعب السعيد. 

وأخيراً، وفي هذه الذكرى وأمام قامة الراحل في ذكراه، أذكر ذاك اللقاء بيننا وكان ذلك في نهاية الثمانينات حين طرح عليّ الرفيق المرحوم غازي منصور، رفيق مشترك وصديق راحل، أن نزوره في منزله حيث كان يعاني المرض، وكنت حينها أعمل على دراسة بحثية في تاريخ الحركة النقابية ودور الحزب التقدمي الإشتراكي فيها  فقصدناه في منزله في بيروت، منطقة الجناح، وطرحت عليه موضوع الدراسة، وإمكانية تسجيل ذلك على آلة تسجيل، فرحب وبارك وحدد لنا موعداً ثانياً في منزله وفي اليوم المحدد، كان لي حوار غني معه، في ظروف ونشأة الحركة العمالية، والنقابات، وحركته النضالية، وكيف كان يعمل على تنظيم العمال في خلايا واتحادات، منها عمال المرفأ، وكيف كان يمضي متنقلاً من مكان إلى آخر، إيماناً بالحركة العمالية، وباتحاد الأحرار منهم، في معركة الصراع من أجل عدالتهم وحقوقهم وقضاياهم... وكان في ذلك اللقاء تعباً، ولكنه جاوب بابتسامة وفخر واعتزاز بمسيرته تلك، وبمرحلة تأسيس الحزب التقدمي الإشتراكي مع رفاقه المؤسسين.

وفي نهاية الجلسة، والحوار، أذكر أنه بقي في شريط التسجيل مساحة صغيرة للمقابلة، فنظرت إليه وقلت له مسائلاً، هل يمكنك أن تحدثني عن وقفة مع المعلم، مازالت عنواناً ومحركاً لذاكرتك؟ فابتسم بعطف وحنان ورقة ودمعة، قائلاً وراوياً لي الواقعة التالية: 
في منتصف الستينات، وفي أحد اجتماعات مجلس قيادة الحزب وكنت إلى جانبه، حيث قيّم بإيجابية واعتزاز انتشار الإنتساب إلى الحزب ومبادئه في الشمال والجنوب والبقاع، وثمّن عالياً تلك الطلائع التقدمية التي تنخرط في صفوف المناضلين، ثم ألمح إلى ضرورة العمل على تكثيف النشاط في بيروت وليس فقط في الأطراف. وأكد لي بأن هذه المهمة هي من مسؤوليتك يا رفيق فريد جبران، هذه الإشارة جعلتني أكثر حركة وديناميكية، وأكثر كثافة للقاءات ، في الحركة العمالية الشبابية وضمن الدائرة الإنتخابية، وللصدفة، تمت دعوتي إلى غذاء عند عائلة تقدمية علمانية فاعلة وهي أحد أنشط المفاتيح الإنتخابية، وتمنت علي سيدة المنزل-دعوة المعلم للغذاء إذا أمكن، فرحبت بالفكرة ونقلت الدعوة إلى المعلم، فوافق، وحدد موعد نهار الثلاثاء حيث كان يستقبل المناصرين وأصحاب الحاجة في مركز الحزب.

وقال "أنتظرك هناك ثم نذهب سوياً"، وهكذا تمت الدعوة، وفي الوقت المحدد قصدته باكراً والتقيته في بيت الحزب، وكانت القاعة مكتظة بأصحاب الحاجات. جلست جانبه منتظراً وخائفاً لأنني أدركت أنه لايستطيع إنهاء عمله في ذلك النهار، والمكان يغص فعلاً بالكادحين والعمال والفقراء وعمّال المعامل والمصانع والشركات، وكنت إلى جانبه في منتهى الفرح لكيفية قدرة المعلم على تخفيف وتحقيق آلام المحتاجين والمساكين، وفي الوقت عينه أخشى ألا يستطيع المعلم الإستجابة لذلك اللقاء المهم لي. وهكذا كنت أتطلع إلى صالة الإستقبال الغاصة بأصحاب الحاجة. وأقدّر بأنه لا يمكن أن ينتهي من تلك المهمة الأساسية له، فابتدأت أسأله عن إمكانية تأجيل هؤلاء إلى نهار آخر، والوقت يمر، وأنا ألحّ عليه التأجيل، وهو يصر على إتمام عمله بروية وشغف ومحبة.

وبين الحين والآخر، أنظر إلى القاعة مقدراً عدم إمكانية الانتهاء من هذه المهمة، وعند اقتراب الموعد تأكدت عدم قدرته على تلبية الدعوة، فازددت إلحاحاً، وازددت إصراراً، ولم يبق لي من حجة أو سبب للإلحاح. حتى قلت له "إني لا أستطيع البقاء معك سأذهب إلى الموعد واعتذر عنك، لأنني فعلاً أصبحت جائعاً، وعندما سمع ذلك مني، سألني "هل أنت جائع فعلاً يارفيق فريد؟" فأجبته بنعم، وهممت بالمغادرة، فما كان منه إلاّ أن وضع يده في جيبه وناولني حفنة زبيب وناولني إياها، قائلاً "تغدّ يا رفيق فريد، لأن قضايا الناس أهم مني وأهم منك".

واستمر في استقبال مريديه له، أما أنا فاستأذنته ولبيت الدعوة. هذه الحادثة قال الرفيق فريد ما زالت تضج في عقلي وقلبي. وتؤكد لي كم كان المعلم منحازاً ولصيقاً بقضايا الناس، ولهذا فهو باق وينتصر...وهذه الميزة، هي ميزة الكبار. 

ونهاية أؤكد بأن ذكرى رحيل الرفيق فريد جبران تبقى قيمة نضالية نقابية أخلاقية تقدمية، في مسيرة الحزب التقدمي الإشتراكي، وفي محطاته النضالية المضيئة، فهنيئاً لك في عليائك يا رفيق فريد...وتبقى الحياة انتصار للأقوياء في نفوسهم ليبقوا وينتصروا...وينتصر معهم الإنسان ولبنان.

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".