بعدما اتهموا المجتمع الدولي بعرقلة العودة... لِمَ الاستقتال على بروكسل

ربيع سرجون |

من لا يدقق في التفاصيل، لا يستنتج العناوين الكبرى. غالباً ما تقود التفاصيل إلى اتضاح الصورة المرتسمة، أو استشراف الحدث الأكبر الذي سيكون مقبلاً أو تراكمه هذه التفاصيل. كانت زيارة أحد الوزراء المعنيين بملف اللاجئين إلى سوريا، تفصيلاً في المشهد. أصرّ أصحاب وجهة النظر المؤيدة لهذه الزيارة ولكل العناوين التي يسوقونها بهدف تطبيع العلاقة مع النظام السوري في سبيل إعادة اللاجئين، على اعتبار هذا التفصيل بأنه الحدث الإستراتيجي، وشرعوا في التسويق لإنتصار النظام، وراهنوا على استعادة نفوذه في لبنان. أبى هؤلاء أن ينظروا بعين أوسع من ضيق صدورهم، فخابت ظنونهم.
والأسباب لهذا الكلام متعددة، فالنظام الذي يدّعون انتصاره ولا بد من الإسراع إلى الإلتفاف حوله أو كسب عطفه، لا يزال مترنّحاً بين شروط روسية مواقف إيرانية مستجدة تطالبه بسداد الديون التي أسلفته إياه إيران مالياً وعسكرياً وبشرياً، وما بينهما فإن الصراع على الساحة السورية لا يزال مستمراً، ويتخذ أشكالاً عديدة تبدأ بأزمة الغاز ولا تنتهي بأزمات المحروقات والكهرباء والمواد الغذائية. وهنا لا بد من توجيه السؤال إلى هؤلاء المتنطحين بضرورة التنسيق معه لأجل تأمين إعادة اللاجئين. فهل من هو عاجز عن توفير الماء والكهرباء الغذاء والمواد الأولية في مقومات الحياة قادر على تأمين إعادة اللاجئين إلى أراضيهم؟ هذا من الناحية الإجتماعية والحياتية البديهية.
ولدى الدخول في السياسة، أيضاً يبرز تساؤل أساسي بعد التظاهرات التي تجددت في محافظة درعا، والتي ستمثّل عنواناً أساسياً في المرحلة المقبلة، ستدفع النظام إلى رفض إعادة اللاجئين. فهل سيجرؤ النظام على السماح بإعادة اللاجئين خاصة المعروفين بمواقفهم المعارضة له إلى أراضيهم، وهو يتوقع أن تتحول تلك المناطق إلى ساحات للتظاهر والمطالبة مجدداً بإسقاط النظام؟
من يدّعي الإنتصار، يحاول البحث عن أوهام لشرائها وإستثمارها الداخلي اللبناني في سياقات المزايدات الشعوبية. وهذا ما دلّت عليه محاولة استثمار بعض الأطراف لزيارة وزير الدولة لشؤون اللاجئين إلى دمشق وإصراره على التنسيق مع النظام السوري، كما دلّت عليه بدعة بطاقات العبور من وإلى سوريا للمشايخ. لكن أوراق التوت سرعان ما تتساقط عند أول هبة رياح.
وقد جاءت الضربة القاسمة لكل مفهوم هذه المنظومة ومسوغاتها، من قبل المجتمع الدولي، وربما كان التوجه الدولي قابلاً للمرور بدون أي إضاءة أو إثارة إعلامية لو لم يعمل على إثارتها المتضررين منها. تمثّل الضربة في عدم توجيه الجهات الدولية المعنية بمؤتمر بروكسيل للبحث بشؤون اللاجئين إلى وزير شؤون اللاجئين، وحصر الدعوة برئيس الحكومة سعد الحريري، ووزير الخارجية جبران باسيل، ووزيري التربية والشؤون الإجتماعية. الأمر الذي دفع وزير الدولة لشؤون اللاجئين والطرف المنتمي إليه إلى تسجيل الإعتراضات حول توجيه الدعوة له. وهنا لا بد من العودة إلى الأسئلة، لماذا يهتم هذا الوزير بالذهاب إلى بروكسيل والمشاركة في المؤتمر، طالما هو يصرّ على التنسيق مع النظام السوري لإعادة اللاجئين؟ أليس هو الذي يعتبر أن حل هذا الملف يرتبط حصراً بتطبيع العلاقات مع النظام؟ وليس هو الذي يعتبر أن المجتمع الدولي يريد عرقلة عملية إعادة اللاجئين؟ فما هو الدفاع وراء الإستقتال للذهاب وإنتقاد عدم توجيه الدعوة؟
ربما يصرّ هؤلاء على نظرتهم الضيقة التي يستعجلون إلى إستثمارها في حساباتهم الشخصية والمصلحية، لكن الردّ غالباً ما يأتي وبشكل سريع أيضاً، لتصبح الرسالة الأساسية من عدم توجيه الدعوة من قبل المجتمع الدولي، قد تمثّل رسالة أساسية بأن من يريد الإستتباع للنظام السوري لن يكون له مكان في المحافل الدولية، أو أن الزيارة إلى الشام حالياً سيقابلها مقاطعة دولية لهذا الزائر. وربما قد يقول أحد المتهكمين، بأنه على الوزير وفريقه السياسي البحث عن صيغة لتوفير بطاقات عبور للدخول إلى المحافل الدولية.