تحولات لافتة على الساحة التركية... هل خسر أردوغان؟

فوزي أبو ذياب |

حين تولى المنظِّر السياسي لحزب العدالة والتنمية أحمد داوود أوغلو مهام وزارة الخارجية عام 2009، لخص رؤيته للمهمة التي سيتولى تنفيذها، بشعار "صفر مشاكل مع المحيط التركي"، إلا أن السياسة التركية التي خرج منها أوغلو عام 2016، أوصلت بلاده الى مشاكل شاملة وشائكة ليس مع المحيط التركي فقط، بل مع العديد من الدول النافذة والمؤثرة في المنطقة والإقليم، وانعكست على الواقع الداخلي التركي، وعلى وحدة حزب العدالة والتنمية حيث بدأت ملامح الانشقاقات داخله تتبلور من خلال تحالف الرئيس السابق عبد الله غول وأحمد داوود أوغلو، مع عدد من المفكرين والاقتصاديين الذي يشكلون عماد النهضة الاقتصادية والسياسية في حزب العدالة والتنمية وفي الدولة التركية، والتي رجحت مصادر سياسية تركية "أنهم يتجهون نحو تأسيس حزب سياسي معتدل، بعد أن برزت النزعة التسلطية لدى أردوغان الذي ابتعد عنه معظم أصدقائه ممن أوصلوه الى ما هو عليه".

لعل أبرز الأزمات التي أوصلت الموقف التركي إلى هذا الواقع، هي تقلبات السياسة الأردوغانية في التعامل مع الأزمة السورية، لا سيما بعد الانقلاب العسكري الفاشل الذي تعرض له في 15 تموز 2016، والذي زعزع علاقة أردوغان بالدول العربية وبالولايات المتحدة الأميركية، وسرع من تقاربه مع روسيا وإيران، ودخوله في اتفاق آستانا، إضافة الى إصرار أردوغان على انشاء منطقة آمنة في الشمال الشرقي من سوريا، والتي لا تتوافق وأولويات السياسة الأميركية المؤثرة والحاسمة في الأزمة السورية، والحريصة على حماية الأكراد في تلك المنطقة، كما لا تقبل روسيا بسيطرة تركيا على تلك المنطقة، حيث ترفع شعار وحدة الأراضي السورية.

فمراقب الدور والموقف التركي في سوريا يستطيع أن يكتشف أن إصرار أردوغان على إقامة "منطقة آمنة" تشمل كامل الحدود التركية من عفرين والبحر المتوسط غرباً، إلى نقطة التقاء الحدود العراقية التركية السورية، في فش خابور شمال شرق، والخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وصلت الى حائط مسدود. خاصة بعد أن أعلن الأميركيون بطريقة غير مباشرة انهم يريدون إبقاء هذه المنطقة تحت سيطرة (قسد) وأنهم يستقدمون ما يقارب ألف وخمسمائة عنصر فرنسي وبريطاني من التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، مع مئتي عنصر أميركي داعم، لمساعدة الأكراد على بناء إدارة حكم ذاتي.

يمكن القول إن أردوغان، خسر المعركة السياسية والأمنية بوجه الأكراد في منطقة شمال شرق سوريا، وكذلك في منبج. فأن يقول وزير الدفاع التركي بعد لقائه وزير الدفاع الأميركي بأن الوعود الأميركية بتنفيذ اتفاق منبج باتت قريبة، ينم عن تراجع تركي أمام التصريحات والنبرة العالية التهديدية وأردوغان بقوله "أن الجيش التركي سيقوم وحده بهذا الأمر مهما كلفه ذلك من أعباء"، هذا تراجع هو تعبير عن الخسارة المعنوية والميدانية، لسياسة أروغان التي قد لا يستطيع تحملها، سيما وأنها ترتبط بموقع تركيا المستقبلي.

خاصة وان نقطة جديدة بدأت تبرز على الإعلام، ترتبط بمكانة وقوة تركيا العسكرية، تتلخص "بتخيير البيت الأبيض لأنقرة بين إيقاف صفقة شراء الصواريخ الروسية أس 400، أو خروجها من الشراكة في برنامج تطوير الطائرات الحربية الأميركية أف 35"، التي تطالب تركيا بشراء كمية منها لتحديث سلاحها الجوي، وهذا الضغط الأميركي في هذا السياق يعتبر لي ذراع للعصب الرئيسي للجيش التركي الذي يعتمد بالدرجة الأولى على سلاح الطيران الأميركي المتطور، إضافة الى أنه يؤثر على صدقية العلاقة بين تركيا وروسيا.

لذلك فإن أزمة العلاقة بين أروغان والإدارة الأميركية، سيكون لها تداعيات هامة على مسار الأحداث سواء في سوريا او على مستوى المنطقة، أو على مستوى الوضع الداخلي التركي.
انطلاقاً من هذه النقطة، يمكن قراءة الموقف الإيراني، الشديد اللهجة والذي تظهر في إعلان مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي وبطريقة مفاجئة، "أنه ضد إقامة المنطقة الآمنة على الحدود التركية السورية، واعتبرها نقطة خيانة تركية لتحالف آستانا الثلاثي (روسيا تركيا ايران).
 
لم يعد لدى تركيا الأوراق التي يمكن مبادلتها مع روسيا في شأن توسيع نفوذها، كما لم تعد تركيا قادرة على تقديم أي تنازل في منطقة إدلب، فهي إضافة الى عفرين المساحة الوحيدة التي تسيطر عليها، وهذه المساحة تحتوي فيها جبهة النصرة، والفصائل المتطرفة الأخرى بعتاد وقوام عسكري، يفوق الثلاثين ألف مقاتل، وتحاول تركيا أن تعيد تركيب المشهد العسكري، من خلال توحيد الطرفين، الجيش السوري الحر بمختلف مكوناته وألويته، والفصائل المرتبطة بتنظيم القاعدة، ولديها إصرار على إعادة بناء القوة العسكرية وإعادة ضبط المنطقة التي تسيطر عليها، وبالتالي لم تعد أنقرة قادرة على الاستجابة للطلب الروسي والإيراني في هذا الخصوص.

ضمن هذا السياق قالت مصادر تركية رسمية لقياديين في المعارضة السورية في الائتلاف في إسطنبول، بأن تركيا عازمة على الدفاع والقتال من أجل استمرار بقائها في هذه المنطقة، حتى لو كلف الأمر سقوط محور آستانا، لأن سقوط أستانا، الذي سيحرر الموقف الروسي من الضغط الإيراني، ويحرر الموقف التركي من الضغط الروسي .

تأسيسا على الموقف من الأزمة السورية، فإن إرسال قوات أوروبية لمساعدة الأكراد في بناء الإدارة الذاتية في شمال – شرق سوريا وضبط الحدود مع تركيا، يضاعف من الخلافات التركية الأوروبية، لاسيما المتعلقة بالقضايا الاقتصادية وقضايا الهجرة، والتي دخلت عليها أيضاً أزمة النفط والغاز قبالة جزيرة قبرص، حيث أرسلت تركيا سفينة ثانية للتنقيب عن النفط، بمواكبة عسكرية بحرية، من أجل فرض وجودها في الساحل الشمالي لقبرص، على اعتبار أن أنقرة هي الضامنة لجمهورية قبرص التركية، غير المعترف بها دولياً، وتحديداً من الأوروبيين، فتركيا أعلنت من خلال الوجود المسلح، بأن أعمال التنقيب في المتوسط لن تسير بدونها، على الرغم من أن القانون الدولي لا يعترف لتركيا بأي حق للتنقيب في تلك المنطقة.
ولعل ابرز عناصر تلك الأزمة، تبلورت مع تشكيل مجموعة النفط والغاز الشرق أوسطية، التي اختارت مصر مركزاً لإعادة تسييل الغاز وضخه إلى أوروبا، تلك المجموعة التي استبعدت تركيا، شاركت فيها إيطاليا واليونان، وقبرص وإسرائيل وفلسطين، والأردن، وهي تعتبر أكبر مجموعة ضاغطة، تتناقض مصالحها مع المصالح التركية.

نقطة إضافية تسجل في ميدان الأزمات التركية، خلافها مع مصر والسعودية، والتي لا ينفك أروغان من توجيه الانتقادات لهما، وشن الحملات الدعائية المتواصلة ضد النظام المصري وولي العهد السعودي، هذه المواقف دفعت المملكة العربية السعودية لسحب الورقة الفلسطينية من يد أروغان، حيث انعقدت على التوالي، مجموعة من القمم والمؤتمرات غابت عنها تركيا وأكدت الدور القيادي للمملكة في الدفاع عن القضايا الفلسطينية، من مؤتمر منظمة التعاون الإسلامي في الإمارات، إلى مؤتمر البرلمانيين العرب في الأردن، وقمة القدس في الظهران، وكذلك القمة العربية الأوروبية في شرم الشيخ، التي خصصت جميعها لإعلان الموقف من صفقة القرن، والموقف من القضايا الفلسطينية، كما كان استقبال الرئيس الفلسطيني في الرياض بطريقة استثنائية للتأكيد على الدعم الشديد للموقف الفلسطيني، كما اسقطت الرياض الورقة الاسلامية السنية من يد أنقرة، فبرزت قوة ونفوذ وتأثير المملكة السعودية مع الهند وباكستان، ودول شرق آسيا، خلال زيارة ولي العهد السعودي اليها، فضلاً عن الموقف السعودي الداعم للأكراد في سوريا، وهذا يدل على عمق أزمة العلاقة التركية مع الدول العربية السنية الرئيسية، إضافة الى خسارتها في ليبيا عسكرياً ومعنوياً، بعد أن تمكنت قوات الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر من الإمساك بكافة النقاط الحدودية الليبية، باستثناء نقاط الحدود مع تونس، وأصبح المجتمع الدولي أمام حقائق مختلفة في هذا الاتجاه، تنذر بتغييرات هامة على المسرح الليبي.
 
من خلال ما تقدم، باتت السياسة التركية تعاني من فتح أبواب الأزمات الكبيرة المؤثرة تأثيراً عميقاً بالاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية، والتي لا يمكن أن تسلم منها القيادة التركية التي تتعامل معها بدرجة من الصلف والعنجهية، وسياسة الأمر الواقع، في الوقت الذي لا تملك أنقرة القوة السياسية، ولا القوة العسكرية ولا القوة الاقتصادية التي تسمح لها بترجمة المواقف النارية التي يضمنها أروغان خطاباته بشكل منتظم، كما أن الوضع الداخلي لم يشهد بعد تعافٍ من الهزة الاقتصادية التي أحدثتها واشنطن، قبل أشهر قليلة، التي كادت أن تسقط معها الليرة التركية سقوطاً كبيراً، لولا التدخلات الأوروبية والقطرية التي أحدثت توازناً مقبولاً في الاقتصاد التركي استباقاً لارتدادات ومضاعفات قد تنعكس على الاقتصاد الأوروبي.
 
أمام كل ذلك ترجح العديد من مراكز الأبحاث التركية، تراجع قوة ونفوذ حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية القادمة نهاية شهر آذار والتي يبنى عليها الموقف من الانتخابات الرئاسية القادمة، حيث أن القوى العلمانية عادت لحشد وتفعيل قوتها، إضافة الى تفكك جبهة القوى الإسلامية وكذلك ترهل حزب العدالة والتنمية فيما لو خرج منه غول وأوغلو والمتحالفون معهما، أمام هذا المشهد يبدو الانتظار سيد الموقف لتبيان مصير الرئيس التركي في قيادة السفينة التي باتت تواجه أمواجاً عاتية.