الدولة المدنية طريق للإصلاحات

02 كانون الثاني 2021 21:45:00 - آخر تحديث: 02 كانون الثاني 2021 21:46:43

لِنُلقِ نظرةً شاملة على مسقط رأس الأزمات التي تغمر اليوم وطننا الحبيب، الحاضن لجميع أبنائه باختلافهم، والذي  يعاملهم جميعاً معاملة الأم التي لا تفرّق بين أبناء رحمها، لنرَ أن الطائفية متشبثة في العقول، ومتحكّمة في كل التصرفات التي تقودنا إلى الهلاك الأكيد والأبدي... فما الخلاص إلّا بما ينادي به جميع الأفرقاء السياسيين والمدنيين، والذين ليسوا على أي استعداد للعمل على تنفيذه، لأنّ المحافظة على مصالحهم مبنيّة على أساس التلاعب على وتر الطائفية، وهي تحويل الدولة إلى نظام مدني.

فالدولة المدنية هي دولة تحافظ على، وتحمي، كل أعضاء المجتمع بغضّ النظر عن انتماءاتهم القوميّة، أو الدينيّة، أو الفكريّة، فتُبنى الدولة المدنية على السلام، والتسامح، وقبول الآخر، والمساواة في الحقوق والواجبات، وضمان حقوق جميع المواطنين، ومنع الانتهاك لحقوق أي فرد من قبل طرف آخر. فالدولة دائماً هي مَن تكون السلطة العليا التي يلجأ إليها الأفراد، والتي تضع حداً لكل منتهكٍ، بتطبيق القانون بالشكل الصحيح.

أهم ما نحتاجه اليوم، والذي تضعه الدولة المدنية بالمقدّمة بالخط العريض، هو مبدأ المواطنة والذي يعني أن الفرد يُعرف بأنه مواطن عضو في المجتمع له حقوق وعليه موجبات، ولا يُعرف بمهنته، أو دينه، أو إقليمه، أو ماله أو سلطته. كما يقتضي على ذوي العقول المتحجّرة الفهم بأن الدولة المدنية لا تُعادي الدِّين أو ترفضه. ما يُرفض هو استخدام الدِّين لتحقيق أهداف سياسية، فذلك يتنافى مع مبدأ التعدّد الذي تقوم عليه الدولة المدنية، كما أن هذا الأمر قد يُعتبر من أهم العوامل التي تحوّل الدِّين إلى موضوع خلافي وجدلي، وإلى تفسيرات قد تُبعده عن القدسية وتدخل به إلى عالم المصالح الدنيوية الضيّقة، وهذا ما نشهده اليوم، فالجميع يستخدم الدِّين لتحقيق مصالح والمحافظة على أخرى. كذلك تقوم هذه الدولة على مبدأ مهم وهو الديمقراطية.

أستطرد لأوضح بأن الدولة المدنية تختلف عن الدولة العلمانية في العديد من النقاط... فكلاهما لا يدعوان إلى مفهوم ديني للدولة. لكن العلمانية ترى بأن الدِّين لديه شكل معيّن للدولة، وتدعو للمساواة، ولا تهتم بشكل نظام الحكم، والتشريع، والقوانين فيها، فيجب فصلها عن الدِّين. بينما في الدولة المدنية، نرى أن الدِّين ليس لديه شكل للدولة التي تدعو للعدل، وتشترط التداول السلمي المدني للسلطة، وترحب بحصول التغيير عبر الأغلبية لأنها تحترم استحقاق الديمقراطية.

فبذكر أهم المبادئ التي تُبنى عليها الدولة المدنية، والفرق بينها وبين العلمانية، نرى حاجتنا الماسّة لنظام الدولة المدنية، واستبعاد النظام الحالي. وكذلك عدم الانحياز نحو العلمانية، لنبدأ إعادة هيكلة مؤسّسات الدولة لبنائها على ركيزة ثابتة تعيد حقوق المواطنين الحاليين، وتحضّر للجيل القادم عيشةً كريمة، ومستقبلاً مشرقاً يضمن به حقوقهم.
  
أمّا بالعودة إلى رجال الدولة والدِّين، فإننا نسمع مناداتهم الدائمة بالدولة المدنية، ووجوب تفعيلها ليأتي مع ولادتها إصلاحٌ تلو الآخر لنصبح في ربوع دولةٍ بكل ما للكلمة من معنى، ولكن دون أن نشهد أي محاولة لتطبيق الشعارات والخطابات لأن مصالحهم الشخصية تردعهم عن المباشرة بالتضامن للعمل على تأسيسها. وكذلك ضمان بقائهم مرهون ببقاء الطائفية متجذّرة في عقول أتباعهم ويستخدمونها غطاءً لهم، وماسحة لخطاياهم.

فهل يا تُرى سيُسمح للدولة المدنية بمبادئها إبصار النور على الأراضي اللبنانية لتنشر الأمل في قلوب شعبها من جديد؟

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".