لورد المعايير

23 كانون الأول 2020 09:14:10

في البداية اضطرت الظروف ان يحصر اللبنانيون الاحتفال بعيد الاستقلال في عرض محدود في وزارة الدفاع. وفي العام التالي قيل إن الظروف تفرض الغاء الاحتفال والاكتفاء ببضعة اكاليل توزَّع على رجال المناسبة. وفي المرة التالية سوف يكون من المناسب للجميع نِسيان تفاصيل الحفل، وشطبه من الأعياد الرسمية من دون أي ضرورة لإعلان ذلك.

 

الآن جاء دور الميلاد ورأس السنة، ومن اليوم وصاعداً سوف يكون على المسيحيين توفير اعيادهم وحصرها في الجلجلة والآلام وخطب الإسخريوطي عن الوفاء والتضحية. وما حاجتنا الى الأعياد في اي حال وكل شيء عندنا اسم بلا مسمّى؟ السيادة والاستقلال والحرية والوطنية وكل ما تعرَّفنا على سماعه طوال عقود. وهذا من نوع الصراحة والصدق. ذات مرة، ذهب المستشار الالماني الغربي كونرد ادنهاور لمقابلة البابا بيوس الثاني عشر في الفاتيكان، وطوال اللقاء ظل المستشار العجوز يكرر على قداسته ضرورة الاهتمام بالكاثوليك. وعند الوداع قال بيوس: "لقد سُعدت كثيراً بهذه الزيارة، لكنني أحب ان أُذكّر حضرتكم بأنني كاثوليكي ايضاً".

 

لم يكتفِ "سيف النصارى" المعاصر، منقذ مسيحيي الشرق، بأن يشرح للبطريرك الراعي اصول المحافظة على حقوق المسيحيين التائهة ما بين وزارة الاتصالات وعتم الكهرباء، بل اعطاه ايضاً درساً معمّقاً  في توحيد المعايير والمقاييس واصول الحكم والادارة والعدل في إنقاذ التجربة اللبنانية البادئة بحرب تحرير لبنان من سوريا، والمنتهية الى ضرورات الوحدة على انواعها. جميع التشكيلات التي حملها سعد الحريري الى رئيس الجمهورية ظلت دون حرص الزعيم المسيحي والمناضل السياسي الكبير في سبيل لبنان برّاق، على صورته ومثاله.

 

بدأت مجلة "تايم" قبل نحو قرن تقليداً اتبعته الصحافات الغربية في كل مكان. ففي كل عام تقدم لقرّائها من خلال ابحاث حول العالم، اسم الرجل الذي تعتبر ان السنة سوف تحمله: غاندي. نهرو، ايزنهاور، ديغول، الأم تيريزا، نلسون مانديلا، رائد الفضاء الأول يوري غاغارين. روّاد القمر الذي كان يشرق عندنا من مشغرة ووادي التَّيم، أي كل مَن له أثر في البشرية في اي حقل من الحقول. هنا، في "النهار"، اعتمدنا هذا التقليد من خلال "الملحق"، وفي العام الذي شكَّل الرئيس صائب سلام حكومة الشباب، تولّيتُ إعداد المادة فاخترت ان اكرر في كل صفحة من العدد نشر صورة صائب بك ضاحكاً وتحتها تعليق يقول: لماذا يضحك هذا الرجل.

 

لم يكن ذلك الخطأ المهني الوحيد، ولا الهفوة الأخلاقية الأخيرة. فمن أجل "لقطة" مثيرة افترَيت على سمعة قامة من تلك القامات التي يخصب فيها لبنان، ايام الرجال يقدّمون البلد على البيت، والوطن على الشخص، وعزة النفس على المنصب. لا نعرف لماذا كان ذلك الخصب عظيماً في مرحلة واحدة، ولماذا الجذب مريع في مراحل السقوط. تقول "تايم" ان "عشرين" هي السنة الأسوأ في التاريخ بكل المقاييس أو المعايير إذا شئت. وإذا سألت اي لبناني من اي جيل أو طائفة أو ثقافة أو انتماء، عن أسوأ عامل في تاريخ البلد لما تردد لحظة في تسمية هذه السنة الحاقدة النكراء الفائضة بألفاظ الفراغ، وضحالة الفكر، وانعدام الرؤية، وجلافة الوقاحة. بلد للمرة الأولى في تاريخه، بلا سيادة، بلا استقلال، بلا فرح، بلا أمل، بلا طمأنينة، بلا مستقبل، بلا كرامة، بلا ثقة. مهانٌ في الغروب وفي الفجر، محروم أيَّ خبر يَعِد بشيء من التحسّن ولو بعد حين. لا، ليس هناك في أي مكان بالعالم بلد على هذا المستوى من الرثاثة السياسية والأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية. وما زلنا نبحث عن حكومات. 4 سنوات ونحن ننتظر حكومة العهد الأولى، وفي السنة الخامسة تأكد لنا أننا إنما نبحث عن حكومة جبران باسيل وثلثه المعطّل. 

 

وما اجمل صراحتنا في الوقاحات النادرة عندما نسمي مساراً سياسياً "الثلث المعطل"، أي حق النقد الكارثي واللاأخلاقي الذي اتبعته الدول الكبرى في الأمم المتحدة. وبموجب هذا الاغتصاب العدواني، اعلن جبران باسيل من الرابية ذات يوم، إقالة حكومة سعد الحريري، فيما الرجل يدخل البيت الأبيض لإجراء محادثات لبنان مع باراك اوباما. ربما جنابكم سمعتم، أما انا فلا اذكر في التاريخ حدثاً من هذا النوع، ولا تزال الابتسامة نفسها مرتسمة على وجه بطل الحقوق المسيحية، لا تتغير ولا تتبدّل، بل تزداد إصراراً. بالابتسامة نفسها قال لمراسلة "السي. ان. ان" في دافوس ان على الولايات المتحدة وبريطانيا تعلُّم الدروس من حكومة لبنان في إعداد الموازنات المالية. تخيّل المجتمع الدولي يستمع الى هذا التواضع من رجل يمثل الليرة، ويقترح ان يقلّدها بالدولار والجنيه الاسترليني.

منذ ظهوره في هذا اليباب السياسي وهو يُعطي اللبنانيين دروساً في التواضع والاخلاق والنزاهة. ونحن لا ننسى الدرس الخاص الذي اعطانا اياه هذا الفتى وهو يقف امام عظمة الشلال والجبال قائلاً: "لقد جئنا لنسترد جزين". تماماً هو الذي قال للبنانيين ان دستورهم عَفِن ونتن، ثم عاد فقرأ عليهم من بكركي المواد الدستورية الكفيلة بحماية حقوق المسيحيين.  طبعاً، المسؤولية ليست مسؤوليته. هو كل ما عليه ان يفعل ان يتحرك فتلحق به الأمة  جمعاء. اتهمه الاميركيون فانفجر البلد بالاتهامات من كل صوب، الجيش، والامن الداخلي، ورؤساء الوزراء، والوزراء، وكل مَن يثبت انه اعترض على العصمة الكبرى. ايضاً في هذا البلد، لا يذكر احد ان لبنان خضع لتدلّل رجل واحد، كما يخضع الآن، فقد أنسِي اللبنانيون مأساتهم على الميناء، وتحولت القضية الكبرى الى تفسير الدستور كما يفهمه. بلد يطالب كل يوم باستقلال القضاء، ويعيش كل يوم من دون ان يوقّع رئيس الجمهورية المناقضات القضائية. وبلد عندما قرر الحزب ممارسة القانون بدأ ذلك بتوجيه الاتهام الى أقل الناس شبهة.  

 

وربما كان رئيس الجمهورية على حق عندما رفض التحقيق الدولي باعتباره بطيئاً، وكان يتسلّح في ذلك طبعاً، بما آلت اليه محكمة سليم عيّاش، التي عقدت في هولندا، مزينة بجميع انواع الروبات الحمراء والسوداء، والقضاة ذوي الشعر الطويل، والضفيرة حتى الخصر. ولست ادري من الذي انتظر شيئاً من المحكمة الدولية. أنا شخصياً كنت في هذا الوقت انتظر شروق الشمس في مغرب الأرض. صحيح أننا تسلّينا بالتفاصيل والمرافعات، وشهدنا وليد جنبلاط نجماً متألقاً بكل براعته وجاذبيته الجماهيرية. لكن كل ذلك لم يكن مقنعاً بالنسبة اليّ. لقد غطّيت احداث العالم وعدالته وإنسانيته طوال سنوات من مقره الأول في الأمم المتحدة. وهناك شاهدت المعايير تتوحّد، والمقاييس تتساوى، والحقوق تعاد الى اصحابها بميزان من الذهب. طبعاً لم يكن هناك شيء مشابه لما حدث في لبنان. ولا أناس مشابهون، ولا اخلاقيات مشابهة، ولا ابتسامات في مثل هذا التبسم. تحاول العدالة الدولية ان تعوّد الناس باللغة الاملائية البطيئة، على العيش في غابة لا قرار لها، وتدعو الناس جميعاً الى حضور احتفالات المبارزة والتهريج، متكلة على ان العالم سوف يفهم في نهاية المطاف، الدرس الأخير عندما يجد واعظاً يشرح لبكركي حقوق المسيحيين ومصلحة لبنان واخلاقيات الحكم.

 

آسفون، هذا العام، ليس لدينا تمنيات نرسلها في الأعياد. إن مجرد الكلام عن عيد إهانة للبنانيين، ومجرد التمني لسنة افضل نوع من السخرية والهرطقة. فأي عام سوف يكون عاماً افضل واكثر رحمة واخلاقية. أما السعادة فمن اين نأتي اليكم بها. ليست هنا في أي حال. ليست في هذا الشرق الذي ينصحنا المفكر السياسي المعاصر بأن نتجه اليه. وفي اي حال أنا اخترت حصتي من الشرق منذ زمن بعيد، واصبحت اشاهد عند الضرورة، الافلام الهندية. وميزتها انها غير معقّدة ومتتابعة باستمرار. وكلما اخترت فيلماً تشعر انك تستكمل الفيلم الماضي. رقص وطقش وغناء ومن ثم فجأة، نوبات بكاء ونحيب. الميزة الأخرى، أن الابطال ايضاً لا يتغيرون، وإذا حدث وظهرت نجمة جديدة، فسوف تلاحظ ذلك على الفور، من حجم الشامة التي تطبعها على جبينها العالي.