ما مدى تأثير العرب في التغيّرات على الساحة الدولية؟

22 كانون الأول 2020 15:56:02

مهما كانت الصورة التي ستُظهِّر مشهد العالم بعد التأثيرات الهائلة التي أحدثتها جائحة كورونا، فإنه من المؤكد أن نظاماً دولياً جديداً سيطلُّ على الساحة مع بداية العشرية الثالثة من القرن الحالي، أو أن حِراكاً دولياً مُختلفاً سيملأ الفراغ الاستراتيجي الذي حصل جراء إخفاقات هائلة. ومن هذه الإخفاقات، الاضطراب الاقتصادي الدولي الكبير، والإرتباك الذي يُحِيط بالتأثير الخارجي للدول الأوروبية، وتراجع تأثير الدور العربي على الساحة الدولية عن المقدار الذي كان يحتله هذا الدور منذ حوالى 50 عاماً.
 
ومن التغييرات التي حصلت على المستوى العالمي: إنتهاء مرحلة الأحادية القطبية التي تزعمتها الولايات المتحدة الأميركية منذ مطلع تسعينات القرن الماضي، ومنها أيضاً تنامي دور الصين الاقتصادي والسياسي والعسكري على شاكلة يستحيل معه تجاهلها، وهي تحاول أن تمارس الندّية مع الولايات المتحدة الأميركية، خصوصاً بعد أن تمكنت من تجاوز المعوقات التكنولوجية التي كانت تحوُل دون إشهار هذه الندية في السابق، كما أن الناتج الإجمالي للصين يتزايد بسرعة فائقة، وقد تجاوز 14,6 الف مليار دولار أميركي، وتقلَّص الفارق بينه وبين الناتج الأميركي الى ما يقارب 3 الآف مليار دولار. وإذا ما قارنَّا بين مستوى الإنفاق المُتدنِّي للفرد في الصين رغم الزيادة في عدد السكان، مقابل ارتفاع هذا الإنفاق عند الأميركيين وهم أقل عدداً، نستنتج أن ملاءة الدولة في الصين قد توازي قوة ملاءة الدولة الأميركية، وبالتالي فإن بكين قادرة على الاستثمار في الملفات التي تُزيد من قوة تأثيراتها الإستراتيجية، خصوصاً في مجال الذكاء الإلكتروني وفي تطوير الأسلحة الذكية - رغم الفارق الكبير بين موازنتها الدفاعية قياساً لضخامة موازنة الولايات المتحدة - كذلك في زيادة حجم حصتها من التجارة العالمية.
 
من السِمات التي ستنطبِع على النظام الدولي الجديد بعد الإنتهاء من معالجة الانعكاسات المؤلِمة لجائحة كورونا: تنامي الحرب الباردة بين الصين والولايات المتحدة الأميركية، وستندفع دول إقليمية كبيرة باتجاه توسيع بساط نفوذها مستفيدة من هذا الصراع الجديد، خصوصاً منها تركيا وإسرائيل وإيران. وهذه الدول الثلاث استفادت في السابق من تراجع الدور العربي لفرض إنفلاش سياسي وأمني خارج حدودها، كما أن لكل من الدول الثلاث أسلوباً توسعياً يختلف عن أسلوب الدولة الأخرى. وعلى سبيل المثال، بينما تعتمد إيران على تعميم الفوضى في الدول المجاورة، ومساندة المنظمات التي تقوِّض الإستقرار – كما في العراق وسوريا واليمن ولبنان – لتقوية تأثيرها، تجهد تركيا لدغدغة مشاعر قديمة واهية تحت شعار الحفاظ على مكانة المسلمين، وهي تتمدد في شمال أفريقيا وفي شمال الهلال العربي الخصيب والى وسط آسيا في الشرق. اما إسرائيل، فترى أن الفرصة سانحة لإنهاء مطالب الفلسطينيين المشروعة، والاستفادة من الانكفاء العربي لفك عزلتها الإقليمية، وللاستفادة من الاستثمارات الواعدة في الدول القريبة منها، لا سيما في مجالي النفط والغاز.
 
روسيا التي ما زالت تتصرَّف كدولة عظمى، تخشى الانفلاش والتوسُّع، ولكنها لا تتحمل واقعة التهميش التي قد تصيبها من "الاستكبار الأميركي والأوروبي" عليها، وهي لا تريد أن تعود الى الوضعية الركيكة التي عاشتها في تسعينات القرن الماضي. وبينما تعتبر موسكو أن حلف الأطلسي يشكل خطراً على حدود روسيا الغربية وفي محيط البحر الأسود، بدأت تخشى من التوسُّع الإقليمي لكل من تركيا وإيران، لا سيما في وسط آسيا وفي سوريا وليبيا. اما الاتحاد الأوروبي الذي أصيب بنكسة جراء الخروج البريطاني، فيبحث هو الآخر عن الوسيلة الفُضلى التي يحافظ فيها على مكانته المتقدمة على الساحة الدولية، بعد أن شعر بأن التمدُّد الصيني والتركي والإيراني يُهدد دوره في وسط وشمال أفريقيا، وفي شرق البحر الأبيض المتوسط وبلاد الشام.
 
وسط هذا الهياج الدولي الكبير، يبدو الدور العربي هشاً الى حدٍ ما، وعدم وجود موقف موحد لمجموعة الدول العربية من القضايا الأقليمية الحساسة، ترك فراغاً استراتيجياً استغلَّته الدول الكبرى. ومن هذه الدول مَن أرضى حلفاءه من الجيبة العربية، وساوم مع أخصامه على حساب مصالح العرب، وبعضها الآخر ساهم في إنتاج شرذمة سياسية ومجتمعية في عدد من الدول العربية أضعفت هذه الدول، ودُفعت دول أُخرى للبحث عن ركائز جديدة لأمنها القومي، تستطيع من خلالها حماية نفسها من الأطماع الأقليمية لدول مثل تركيا وإيران، بعد أن كانت الخشية في السابق محصورة بالتهديدات الإسرائيلية.
 
بعض قادة الدول العربية، لا يبالي في التعايش مع حالة الضعف، وبعض هؤلاء يُفضِّلون استقرار أنظمتهم على أي خيارات أخرى فيها مخاطرة، حتى ولو اضطرهم الأمر للتعاون مع مَن يُضمرون العداء للعروبة. وتراجع تأثير النفط على السياسة الدولية، كان سبباً اضافياً في تلاشي الاهتمام الدولي بالعرب، لأن الدول العربية كانت تزوِّد السوق العالمية بما يزيد على 58 في المئة من حاجاته من النفط، وقد تغيَّر هذا الواقع بعد تنامي انتاج النفط الأحفوري في الولايات المتحدة الأميركية وكندا، وبعد أن تأكدت الأهمية التجارية للاكتشافات الغازية الطبيعية في أكثر من مكان في العالم، لا سيما في شرق المتوسط ووسط آسيا، كما أن الطاقات البديلة من الشمس والهواء حلَّت محل جزء من الكميات النفطية التي كان تطلبها السوق الإستهلاكية العالمية.
 
المصلحة العربية العُليا، كما الأمن القومي العربي، يستوجبان الإسراع في بلورة مقاربة جديدة، تفرض شكلاً من أشكال التضامن القومي، لوقف التدهور الحاصل، ولحجز مقعد مقبول للجامعة العربية في الصفوف الأمامية التي تنتظر لملاقاة النظام الدولي الجديد. والوقت قاتل ولا يسمح بمزيد من الاستهتار. ودور الدول والمجموعات يؤخذ ولا يُعطى بطبيعة الحال.