كيف تُدار الدولة في أخطر مرحلة يمر بها لبنان؟

20 كانون الأول 2020 22:59:59

يتبين من المواقف المعلنة لأكثر من مسؤول دولي وعربي، ومن الأجواء التي تعكسها تعليقات غالبية الرأي العام في لبنان، أن المشكلة اللبنانية الخانقة ناتجة عن سوء إدارة للبلاد بالدرجة الأولى، ويضاف الى هذا الخلل مجموعة من الأخطاء والارتكابات التي فاقمت الأزمنة، ومنها تحديدا: توظيف لبنان كورقة في الصراع الإقليمي، وعزله عن أشقائه وأصدقائه القادرين على مساعدته، وغياب أي رؤية اقتصادية للحكم الحالي، بعد أن أثبتت الرؤى السابقة فشلها، لاسيما منها فكرة: أن لبنان يمكن أن يعيش من قطاع المصارف ومن الخدمات ومن السياحة.

وما يتفق عليه عدد كبير من المتابعين لما يجري، أن طريقة إدارة ملف تشكيل الحكومة الجديدة فاشلة، ولا تراعي المصلحة العليا للدولة التي تفرض على المسؤولين التعاون وتجنب المناكفات، وتتحكم في خلفيات هذه الإدارة المطامع الشخصية والفئوية، في ظل مأساة يعيشها الناس جراء توقف الأعمال وتفاقم البطالة وتضخم الأسعار وأموال المواطنين وجنى عمرهم محجوزة في البنوك.

الإعلان عن إلغاء الزيارة المعول عليها للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الى بيروت، بسبب إصابته بأعراض كوفيد- 19، دفع بالرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري لزيارة البطريرك الماروني بشارة الراعي في بكركي، على أمل المساعدة في تحريك الملف، خصوصا بعد أن سمع الحريري كلاما صادرا عن قصر بعبدا، وعن رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، يتهمون فيه الحريري بتهميش موقع الرئاسة الأولى، وبالتالي تسمية الوزراء المسيحيين في الحكومة العتيدة من دون أخذ رأي رئيس الجمهورية. علما أن الحريري – كما أوضح للبطريرك – كان قد زار الرئيس 12 مرة، وأكد له عدم وجود أي نية او أي رغبة في المس بصلاحيات الرئيس، وهو لا يعتقد أن الوقت مناسب للقيام بأي تعديل على النمطية المعتمدة وفق الدستور في مجال تأليف الحكومات، لأن المرحلة تتطلب مرونة لإنقاذ البلاد وفقا لمندرجات المبادرة الفرنسية التي وافق عليها الجميع. بالإضافة الى أن الحريري لا يملك أكثرية نيابية يمكن أن تساعده على الهيمنة او على تجاوز فريق الرئيس، لأن الأكثرية هي مع رئيس الجمهورية وحزب الله وحلفائهم في خط الممانعة.

من المؤكد أن إدارة البلاد تعتمد حاليا على منهجية التعطيل، وذلك بهدف تحقيق مصالح شخصية تتعلق بحفظ مستقبل النائب جبران باسيل الذي اهتز وضعه كثيرا جراء العقوبات الأميركية التي فرضت عليه على خلفيات الفساد. وحزب الله يساند الحكم لتعزيز مكانة باسيل ردا على العقوبات الأميركية ايضا، بصرف النظر عن الكلفة الباهظة التي تدفعها البلاد - وجمهور الحزب تحديدا - جراء هذا الموقف.

يبدو أن مبادرة البطريرك الراعي لتسريع تشكيل الحكومة الإنقاذية قد أجهضت من قبل الفريق ذاته، بحجة أنهم يريدون تعزيز مكانة المسيحيين في المعادلة اللبنانية، وهم يرفضون محاولة تجاوز صلاحية رئيس الجمهورية كما جاء في بيان التيار الوطني الحر. بينما واقع الحال خلاف ذلك، فهم على ما بدا، يبحثون عن مكاسب خاصة، منها الحصول على وزارتي الداخلية والعدل، ومنها ايضا الحصول على الثلث المعطل بطريقة المواربة، من خلال الفصل بين الوزراء المحسوبين على الرئيس والوزراء المحسوبين على التيار، وهم في الحقيقة فريق واحد، والهدف استمرارية دائما الإمساك بالحكم عن طريق أكثرية في مجلس الوزراء، حتى بعد انتهاء ولاية عون، وفيما إذا تعطلت الانتخابات الرئاسية (كما قال باسيل للراعي حرفيا). علما أن مكانة المسيحيين المنكوبين أكثر من غيرهم، كانت ستتعزز فيما لو أعطيت الفرصة لبكركي التي «أعطيت مجد لبنان» كما كان يقال، وبالتالي إنجاح مهمتها في توفير ظروف ولادة الحكومة الإنقاذية الجديدة.

لم يحصل في تاريخ لبنان أن مرت إدارة فاشلة بمقدار ما هو عليه الوضع اليوم. ورغم كل المشاكل التي تعاني منها البلاد، فهذه الإدارة تبحث عن حلول للمآزق الشخصية التي أوقعوا نفسهم فيها، ولا يبحثون عن حلول لمشاكل الناس القاسية