الطبيعة المحطَّمة

19 كانون الأول 2020 10:55:23

متحف الفن الحديث في نيويورك يخصّص هذه الأيام معرضاً ل "الطبيعة المحطَّمة". وهو معرضٌ مخصّصٌ لمفهوم "التصميم الترميمي": الأعمال والمشاريع التي تأمل في "علاج العالم" الذي دمّره البشر، لدرجة أنّه أصبح أقلّ ملاءمةً للعيش فيه. 

يقع متجر التصميمات هذا في الجانب الجنوبي من شارع 53 في مدينة نيويورك، بعيداً عن المتاجر الفاخرة الموجودة في الجادة الخامسة (أغلى شوارع العالم التجارية)، والغرض منه إضافة المزيد من المنتجات الرائعة إلى الأعداد الهائلة من السلع التي يزخر بها العالم.( الشرق الاوسط، ص22/ العدد 15360- 17.12. 2020). 

وبحسب مؤشّر " فاند فوربيس"، فإن مقوّمات الدولة في لبنان أصبحت محطّمة في طبيعتها: مِن الصراع السياسي، الذي لم تعُد تُعرف حدوده بعد، إلى السلطة القضائية، التي لم تعُد تُعرف حدودها بعد، إلى الانهيار المالي الذي يأخذ لبنان إلى المجهول، وإلى تدنّي سعر العملة الوطنية بين ليلة وضحاها إلى حدودٍ غير معقولة، وإلى الدولار الأميركي، الذي أصبح في البلاد تحت رحمة المافيا.

الدولة الفاشلة (Failed Sate)، إنما هي عبارة اقترحها (صندوق لأجل السلام) (Fund For Peace) واستُخدمت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، فكان أن تدخّل المجتمع الدولي لإعادة إنهاض الدولة الفاشلة. 

 وُصفت الدولة بذلك لأنها لم تعد قادرة على تأمين مهامها الأساسية، خصوصاً من ناحية احترام دولة القانون، بالإضافة إلى فقدان السلطة التنفيذية، وفَقْدِ شرعية اتّخاذ القرارات وتنفيذها، وكذلك عجزها عن توفير الخدمات العامة بحدّها الأدنى، وعجزها عن التعاون مع الدول الأخرى ناهيك عن تفشي الفساد، وعن وجود نازحين، ولاجئين، ومهجّرين من سكّانها. وظهور أزمةٍ اقتصاديةٍ، وحالة عداء مع الدول الأخرى.

 مؤشّر الدولة الفاشلة مؤلفٌ من 12 مؤشراً آخر، وكل منها يُقيَّم على مقياس بين صفر و128.

هذه المؤشّرات الـ 12، أربعة منها اجتماعية. ومؤشّران اقتصاديان، وستة مؤشّرات سياسية. 

 لم يكن ينقص لبنان إلّا أن يُذاع صيته بأنه دولة فاشلة. 

فقد ثقُل عليه الضغط الديموغرافي، وأدّى إلى ارتفاع (كلفة) تأمين المواد الغذائية. وظهرت حركة نزوح داخلية وخارجية لم يسبق لها مثيل في تاريخ البلد الصغير. واتّصل بذلك العنف الجماعي، والعنف الطائفي، والعنف الحزبي، والعنف العائلي والفردي والفئوي.

وأصابت الهجرات أصحاب الفكر، وأصحاب الكفاءات، وأصحاب الاختصاصات، وأصحاب المهارات والمصالح. فأخذوا يغادرون البلاد. ولولا "رحمة" فيروس كورونا، لم يبقَ في البلاد أحد.

وفَقَدَ لبنان توازن الإنماء، في التعلّم، وفي الثروات. ودخل الإجرام إلى صفوف الدولة، وإلى إداراتها، من خلال الفساد، ومن خلال عمليات السرقة والنهب، وفقدان الحوكمة الرشيدة.

 وتعرّض لبنان لانتهاك حقوق الإنسان فيه، والتعدّي على الحريات العامة، والتعدّي كذلك على حقوق المرأة، والطفل، والعامل، والموظّف في القطاع الخاص.

 ومن بِدَع الدولة الفاشلة ظهور حَصانات داخل الدولة لمجموعاتٍ أمنيةٍ وسياسية، ومجموعاتٍ من الزعامات وقادة الأحزاب.

وبرز الانقسام الحاد في النُخب السياسية، واستندت إلى مواد طائفية وعرقية ودينية، فارضةً بذلك طغيانها على الناس.
 واحتاج لبنان في الآونة الأخيرة، وخصوصاً بعد انفجار المرفأ في الرابع من آب، إلى تدخّل قوى خارجية لحل المشكلات الداخلية، وتعديل التوازن، وتغيير المشهد.

 وتراجع الوضع الاقتصادي في لبنان إلى حدود تهدّد وجوده كدولة مستقلة، في قراراتها، وفي ماليّتها العامة، وفقدِ مستلزمات وأسس التوافق على الشرعية. وهذا ما جعله يخسر الاعتراف الدولي بشرعية نظامه السياسي ممّا أفقده المساعدات، وما جعله لا ينتظر إلّا الصعوبات أمام كل الاستحقاقات.

ومع المواجهة السياسية - القضائية بسبب ملف الادّعاء على رئيس حكومة تصريف الأعمال، وعلى وزراء ونواب، بالإضافة إلى التجاذبات التي طالت الملف الجنائي، صار الوضع بشقّيه الاقتصادي والاجتماعي في غاية الخطورة.
 صار وضع الكهرباء في منتهى السوء. وتقدّم من تقدّم، بدعوى أمام المحاكم لاسترداد الأموال المنهوبة من زبائنية البواخر، والفيول المغشوش، والهدر، والتوظيف العشوائي.

وبدا مصرف لبنان في غاية الإحراج بسبب ما يناله وينال سمعته وسمعة الحاكم، من سوء ومن اتّهامات.

 ووصل الصراع القضائي- السياسي إلى ذرى محرجة، بل قاتلة. وتبادل مجلس النواب، بين مجموعات النواب ومجموعات المحازبين وبين مجموعات الرئاسات، حتى غدا الأمر كما في "طواحين دونكيشوت".

كل شيء لا يبشّر بالخير مع الإصرار على إفشال تشكيل الحكومة العتيدة، والنيل من حكومة تصريف الأعمال، والتعدي على وسائل الإعلام، بالشغب الشوارعي الذي نزلوا به على طريق القصر الجمهوري، من بين جدران ميرنا شالوحي، وكذلك من سائر مراكز التيار الوطني، إلى "قناة الجديد".

لبنان، غدت طبيعته محطّمة، أو تكاد أن تكون كذلك. وهو يحتاج اليوم إلى متحفٍ أميركي متخصّص. متحف أميركي مخصّصٌ لمفهوم التصميم الترميمي مع وصول الرئيس الأميركي (المنتخَب)، جو بايدن، إلى البيت الأبيض. فهل للبنان منه نصيب؟ خصوصاً وقد أُعلن عن إصابة إيمانويل ماكرون، الذي كان يعتزم زيارة لبنان قبيل الميلاد المجيد. وربما تحطّمت الزيارة بسبب "الطبيعة المحطّمة" للبنان هذه الأيام، فصارت تحتاج الزيارة تماماً كما يحتاج لبنان إلى عنايةٍ وترميم في المتحف السياسي الأميركي المستجِد والحديث؟


أستاذ في الجامعة اللبنانية

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".