أدوية الفقراء قد يتضاعف سعرها مرتين ونصف!

18 كانون الأول 2020 08:25:39

القرار بات محسوماً نحو إخراج الأدوية التي تصرف من دون وصفات طبية (OTC) من لوائح الدعم الأساسية، لتصبح أسعارها وفقاً لدولار الـ 3900 ليرة. عملياً، يعني ذلك أن الأدوية التي يشيع استخدامها بين الناس، ويستعيض الفقراء منهم بها عن زيارة الطبيب تجنباً لدفع «الفحصية»، سيتضاعف سعرها أكثر من مرتين ونصف مرة.

كثر النقاش حول «الدعم» أخيراً، وكبر معه خوف الناس على احتياجاتهم الأساسية التي قد يحيلها قرار إلغاء الدعم عنها إلى السوق السوداء ودولاره «الفالت». الجميع ينتظر لون الدخان الذي سيخرج من السرايا الحكومية، حيث تجرى النقاشات بين الأطراف المعنية. ولعلّ ما يؤرق الناس أكثر من احتياجات معيشتهم، هو الإجابة عن سؤال: ماذا سيكون القرار حيال أمنهم الصحي؟ يأتي هذا السؤال في ظل كثرة الحديث عن «ترشيد» الدعم في ما يخص الأدوية، ولا سيما منها أدوية الأمراض السرطانية والمزمنة، وتلك التي تصرف من دون وصفة طبية ويطلق عليها (OTC – over the counter).

التسريبات الأخيرة تشير إلى أن خفض الدعم على أدوية الأمراض المزمنة والسرطانية سيتم بنسبة 5%. أما أدوية الـ OTC، فلا اتفاق نهائياً في شأنها بعد، وإن كان التوجه، حتى الآن، هو الى إلغاء الدعم عنها وتسعيرها وفق دولار الـ 3900 ليرة، في مقابل تعزيز الدعم على المواد الأولية الداخلة في صناعة الأدوية المحلية.

ماذا يعني ذلك عملياً؟ يعني أن سعر تلك الأدوية سيتضاعف أكثر من مرتين ونصف مرة (2,6). على سبيل المثال، علبة البنادول الأزرق (24 حبة) سيتضاعف سعرها من 3375 ليرة إلى 8775. صحيح أنه ليس بالبنادول وغيره من لائحة الـ otc يعيش الإنسان، إلا أن لرفع الدعم عنها آثاراً سلبية وخصوصاً على الفقراء الذين يستعيضون بهذه الأدوية عن زيارة الطبيب ودفع «الفحصية».

بالنسبة إلى هؤلاء الفقراء، تفعل هذه الزيادة فعلها، وخصوصاً أن لائحة أدوية الـ OTC ليست قليلة. فهي، بحسب نقيب الصيادلة غسان الأمين، تضم أدوية كثيرة تتخطى المئات تصرف مباشرة لدى الصيدلي. ولئن لم يتوصل الأطراف الثلاثة، نقابة الصيادلة ونقابة الأطباء ووزارة الصحة العامة، إلى صياغة اللائحة الجديدة من تلك الأدوية، إلا أنه بحسب الصيادلة يمكن حصر تلك اللائحة بـ«أربع مجموعات رئيسية، هي: مضادات الالتهاب، مسكنات الألم، أدوية السعال والحساسية وخافضات الحرارة»، على ما يقول الصيدلي علي عز الدين. ويمكن أن يضاف إلى تلك اللائحة بعض الأصناف مثل أدوية الحماية للمعدة. وهي مجموعات فضفاضة تحمل في خاناتها الكثير من الأدوية، منها «البراند» ومنها «الجينريك».

لا لائحة موحدة للـ OTC، ولكل بلد لائحة تختلف عن الأخرى. في البلدان الأوروبية أو في أميركا، تكاد لا تتسع اللائحة لاحتواء الأدوية التي تصرف بلا وصفة طبية. أما في لبنان، بحسب ما يقول الأمين، فـ«نعمل اليوم على توسيع اللائحة الجديدة لتشمل ما يجب أن تشمله، وخصوصاً أن اللائحة القديمة ضيقة». ويردف قائلاً في معرض شرح سبب الضيق، بأن «الأطباء بيضيقوها». لكن، بغض النظر عما يفعله الأطباء، وجب الالتفات هنا إلى أن المسؤولية مشتركة. ففيما تكمن مصلحة الأطباء، مثلاً، في تحجيم اللائحة، يقع على الصيادلة جزء من المسؤولية، عندما يتقمص هؤلاء دور الطبيب أيضاً، «فلا هو مقبول أن يقوم الطبيب بفرض أدوية محددة على المرضى لأنها موجودة لديه من مندوب شركة أدوية، كما ليس مقبولاً أيضاً أن يقوم الصيدلي مثلاً بتقطيب جرح مريض»، على ما يقول أحد المتابعين لملف الدواء في وزارة الصحة. وهذا ما يجعل مهمة اللجنة مضاعفة لمنع تأثير «المصالح» على ما يمكن أن تحمله تلك اللائحة.

وثمة تحدٍّ آخر في هذا المجال، وهو «كيف سيجري استنساب الأدوية، وخصوصاً أن بعض التجارب السابقة بيّنت أن الخيارات لم تكن مبنية على معيار طبي، بقدر ما كانت مراعاة للشركات والأطباء وغيرهم». والدليل؟ أن معظم الوزراء الذين تعاقبوا على وزارة الصحة العامة كانت «اللوائح الموحدة لـ OTC أحد إنجازاتهم»!

سعر الأدوية التي تعطى من دون وصفة طبية سيتضاعف أكثر من مرتين ونصف مرة

مع ذلك، يحكم التفاؤل هذا المسار. وبحسب الدكتور رياض فضل الله، مستشار وزير الصحة وأحد أعضاء اللجنة التي تتابع صياغة لوائح الأدوية، فإن «المفاوضات لا تزال قائمة، والأمور إلى الآن على ما يرام»، على أن تصدر اللائحة بعد التوافق عليها من قبل المعنيين.

وفي انتظار تحديد تلك الأدوية، تدور النقاشات اليوم حول كلفة خفض الفاتورة الدوائية. بالنسبة إلى الأدوية اللاوصفية، يقدّر المعنيون الخفض بحدود 30 إلى 40 مليون دولار، علماً بأن كلفة دعم تلك الأصناف في الفاتورة الدوائية وفق أسعار الصرف الرسمية (1515) تبلغ نحو 150 مليون دولار. بحسب الأمين، تكمن أهمية هذه الخطوة في التخفيف من «كلفة» ثقافة الاستهلاك «إذ اعتاد اللبنانيون استهلاك الأدوية بشكلٍ كبير جداً».

من جهته، يرى رئيس لجنة الصحة النيابية، الدكتور عاصم عراجي، «حسنات» هذا الأمر من زاوية أخرى: من زاوية دعم الصناعة الوطنية. إذ إن عدداً كبيراً من الأدوية اللاوصفية المستوردة لها أدوية شبيهة منتجة محلياً. ومن المتوقع أن يسهم الانخفاض في استهلاك المستورد زيادة في المحلي. ويستكمل تعزيز الصناعة المحلية بإبقاء الدعم على المواد الأولية التي تدخل في تصنيعها، على ما يشير عراجي. لكن ثمة مأخذ على تلك الطريقة في الدعم، إذ بحسب الدكتور فضل الله لا يكفي دعم المواد الأولية لدعم الصناعة الوطنية. فالمادة الأولية التي تستخدم في تصنيع الأدوية هي جزء من حلقة متكاملة تبدأ بالرسوم الجمركية، مروراً بما يفرضه الأطباء والصيادلة من عمولة وليس انتهاء بالكهرباء والمحروقات وغيرها من العوامل التي هي جزء من الإنتاج.