سوريا: إستحضار الإرهاب إبان الإستحقاقات الداهمة

08 كانون الأول 2020 22:24:44

تتفق أوساط واسعة من الرأي العام ومن الصحافة وبعض القوى السياسية، أن الإرهاب المُدان أستخدِمَ فزاعة أمنية كوسيلة للإستثمار السياسي لصالح بعض الدول والأنظمة، وهؤلاء استفادوا الى حدود بعيدة من الأعمال الإجرامية التي قامت بها المجموعات الإرهابية. والأمثلة كثيرة منذ مطلع الألفية، تبدأ من أفغانستان، مروراً بالعراق، وصولاً الى سوريا واليمن. وكان لولادة "داعش" في المساحة الخصبة بين العراق وسوريا منذ عام 2014، دوراً محورياً في ما يجري، وقد استثمرت القوى الدولية والإقليمية أعمال "داعش" وغيرها لتحقيق مكاسب سياسية، لا سيما إيران وتركيا والنظام في سوريا، والجهات الثلاث وجدوا في المجموعات المتطرفة وسيلة فضلى لتحقيق مآربهم تحت شعار محاربة الإرهاب، لكن واقع الحال يؤكد إستحالة ظهور "داعش" وغيره من دون مساندة وتمويل من هؤلاء.

وبعد أن احتفل الجميع بالقضاء على "داعش" في عام 2019، عاد ليبرز من جديد على الساحة الإعلامية، لمناسبة تغطية قصف صاروخي على مناطق مدنية في كردستان العراق الشهر الماضي واتهم فيه "داعش"، بينما التي قامت به بالفعل مجموعات من "الحشد الشعبي" الموالي لإيران، كما قالت المرجعيات الرسمية في أربيل، كذلك لمناسبة استهداف المعارضة للفرقة الرابعة في الجيش السوري في دير الزور وقد أُلصق الفعل بـ"داعش"، من دون أن يتبنى التنظيم الإرهابي هذا العمل.

ويبدو واضحاً أن مجموعة من المعطيات التي طرأت على الساحة السورية، استوجبت إدخال "داعش" في المعادلة من جديد، ومن هذه المعطيات: صدور تقرير عن مجلة "دير شبيغل" الألمانية نشر الأسبوع الماضي، يتحدث عن خلاصة حكم سيصدر عن محكمة المانية بناء لدعوى ناشطين سوريين، وفيه أن قادة النظام في سوريا يتحملون مسؤولية الهجوم بالأسلحة الكيميائية على الغوطة جنوب العاصمة دمشق في آب (أغسطس) 2013، وذهب ضحيته 1400 من المدنيين، بينهم 600 طفل، وقد تبنَّت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية هذا الاتهام في اجتماع ممثلي الدول الأعضاء الذي عقد في جنيف في الأول من كانزن الأول (ديسمبر) الجاري، حيث أكد مدير المنظمة فرناندو ارياس، أن سوريا لم تلتزم كامل الاتفاق الذي حصل عقب مجزرة الغوطة، وهي عادت واستخدمت غاز السيرين ضد المدنيين في عام 2017. وهذا الأمر سيرتب مسؤولية جزائية دولية على قادة النظام، باعتبار أن القانون الألماني يسمح بمثل هذه المحاكمات، ولقراراته مفاعيل دولية، خصوصاً بعد أن حال فيتو روسيا والصين دون طرح ملف الجرائم في سوريا على محكمة الجنايات الدولية الدائمة.

هناك استحقاقات سورية مهمة وداهمة مُقبلة، منها ملف صياغة دستور جديد للبلاد وفق ما تنص عليه مبادرة آستانة وقرار مجلس الأمن الدولي الرقم 2254، ومنها الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في شهر نيسان (أبريل) المقبل عند إنتهاء ولاية الرئيس بشار الأسد.

العوامل الضاغطة مترابطة، ولكنها متعارضة في آنٍ واحد. ومن الواضح أن هناك تبايُناً بين مسار آستانة الذي اتفقت عليه روسيا وتركيا وايران للحل في سوريا، وبين مسار الأمم المتحدة الذي يستند الى مندرجات اتفاق جنيف للعام 2015 وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة. وبينهما يستند الفريق الذي يمثل النظام في مباحاثات جنيف حول الدستور الجديد على مسار آستانة الذي لا يُشير الى أي مهل زمنية، يتمسك وفد المعارضة وممثلو المجتمع المدني بتوجهات اتفاق جنيف، وبما ورد في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 تاريخ 18/12/2015، لناحية تحديد مهلة سنتين لإقرار دستور جديد وتأليف حكومة وحدة وطنية وإجراء انتخابات حرة بإشراف الأمم المتحدة.

ومع تأكيد فوز جو بايدن بالرئاسة الأميركية، يجهد النظام في سوريا الى الاستفادة من الزمن المتبقي من ولاية الرئيس دونالد ترامب ليظهر بمظهر المحارب للإرهاب، واعتبار نفسه ضحية لمؤامرات خارجية، في محاولة منه للتأثير في توجهات الإدارة الأميركية الجديدة من طريق اعتباره سياسة العقوبات التي جاءت بموجب قانون قيصر وقانون ماغنيتسكي بأنها ساهمت في تقوية المنظمات الإرهابية. ومما لا شك فيه بأن النظام يعرف الخطوط العريضة لسياسة بايدن الجديدة حول سوريا، وقد أكد أنتوني بلينكن الذي سيُعين وزيراً للخارجية، أن إدارته التي تعتبر أن باراك أوباما أخطأ في سوريا، ستحاول تصحيح الهفوات التي كرستها سياسة ترامب وتصحيحها، ولكن بطبيعة الحال لا تشمل هذه التوجهات الجديدة أي تطبيع مع النظام وفق ما أكد بلينكن.

زيارة وزير خارجية سوريا الجديد فيصل المقداد الى طهران في 7 كانون الأول (ديسمبر) حملت أكثر من إشارة، فهي الأولى له الى الخارج بعد تعيينه في 23 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وكان لافتاً تصريح وزير خارجية إيران محمد جواد طريف بعد لقائه المقداد، بأن ايران تؤيد مسار آستانة للحل في سوريا، من دون الإشارة الى دور الأمم المتحدة، وواضح أن هذا التصريح فيه رد على الموقف الروسي الذي أشار الى رغبة موسكو في التعاون مع الإدارة الأميركية الجديدة لتسوية النزاع في سوريا.

المراقبون لما يجري يؤكدون أن تسويق ترشيح الرئيس الأسد لولاية جديدة يحتاج الى خلط الأوراق، خصوصاً بعد أن فشل مؤتمر عودة النازحين الذي عقد الشهر الماضي، وهؤلاء من المقرر أن يشاركوا في الاقتراع بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي. ومن الأوراق التي تُستحضَر غب الطلب، هي إثبات الحاجة للنظام لمواجهة الإرهاب والفوضى.