تحديات تواجه المغرب العربي

08 كانون الأول 2020 08:23:14

تعتبر منطقة المغرب العربي مكاناً جيوسياسياً حيوياً على الخارطة العالمية، فهي منطقة ثروات طبيعية هائلة، وتجاور أهم الممرات المائية الدولية التي تُوصِل غرب الكرة الأرضية مع شرقها عبر مضيق جبل طارق، وممرات البحر الأبيض المتوسط بشكلٍ عام، وهي الأقرب للقارة الأوروبية المحورية، وتُشاطئ الأطلسي إلى الغرب، كما أنها تستوعب العمق الإفريقي وتُسانده، وهي حاجز شمالي أمامه في آنٍ واحد. وتميز المغرب العربي في حقب تاريخية غابرة؛ بأنه منطقة تنافس استعمارية حادة، خصوصاً بين الأوروبيين والأتراك، قبل أن تنال الدول المغاربية استقلالها منذ أواسط القرن العشرين.

 يبدو واضحاً أن الفوضى الدولية التي تغلُب على المسار السياسي في هذه المرحلة من التاريخ، تؤثر في دول المغرب العربي، وقد تُصيبها في الصميم، ذلك بسبب مجموعة من العوامل المهمة التي تتميز بها هذه البقعة من العالم، ولكونها على مقربة من الحشود التي تتجمع في القواعد العسكرية الأمريكية والغربية في جزيرة صقلية الإيطالية، وعلى الشواطئ المتوسطية المختلفة، ابتداءً من القواعد الروسية على سواحل سوريا في الشرق مروراً بالمراكز العسكرية التركية في شمال قبرص وشواطئ أنطاليا وفي مصراتة الليبية، وصولاً إلى القواعد التاريخية المتقدمة لبريطانيا في جبل طارق غرباً.

 فتحت المشكلات التي حصلت في بعض دول المغرب العربي الباب أمام الأطماع الخارجية، وحاولت القوى الطامحة الدخول من هذه البوابة لاستعادة نفوذها الاستعماري، وفرض معادلات جيوسياسية جديدة تستند الى انحرافات تاريخية توسعية، وهذه القوى تستثمر في بعض الاضطرابات السياسية والأمنية التي حصلت في المغرب العربي، خصوصاً في ليبيا، وفي التناقضات الداخلية التي تحصل على خلفيات مطلبية وعقائدية في الجزائر وتونس.

 والمغرب العربي الذي شكَّل على الدوام رافعة للعمل العربي المشترك؛ يشهد بعض التباينات بين مكوناته، وقد أدت هذه التباينات إلى شلّ عمل «إتحاد دول المغرب العربي» الذي تأسس في عام 1989، كذلك إلى تعطيل عمل المنظمات الشعبية التي تأسست للدفاع عن عروبة المغرب العربي بكافة دوله إبان مرحلة الاستقلال وخلال سنوات جهاد الثورة الجزائرية، مثل مكتب طلاب المغرب العربي الذي تأسس في عام 1947، ومؤتمر طنجة لأحزاب المغرب العربي الذي تأسس في عام 1958، كما حالت هذه التباينات دون تنامي العلاقات الاقتصادية بين أقطار المغرب.

 التحديات التي تواجه المغرب العربي كبيرة، منها التدخُل العسكري التركي في ليبيا والذي يُعيد إلى الأذهان ترسبات تاريخية مغلوطة، كما في الإدعاء بحقوق تركية في مدينة مصراتة الاستراتيجية، وهذا التدخُل أثر سلباً في مجرى الحوار الذي كان قائماً بين المكونات السياسية الليبية في الفترة الأخيرة، لاسيما بعد زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى طرابلس منتصف نوفمبر(تشرين الثاني) الماضي، والتي أدت الى تراجع رئيس وزراء حكومة الوفاق فايز السراج عن الاستقالة، ورفض وزير داخليته فتحي باشا آغا الذي ينتمي إلى جماعة الأخوان للحلول المطروحة، وهذه الحلول كانت تستند الى إجراء انتخابات لا تشارك فيها الشخصيات التي تستولي على السلطة حالياً.

 ومن الواضح أن غياب التنسيق بين دول المغرب العربي اليوم؛ يسمح ببروز مشاريع سياسية غريبة تُهدِّد المنطقة برمتها، ومنها على سبيل المثال: ظهور أصوات انفصالية تقود الى المطالبة بالتقسيم. وتستفيد من مناخ عدم التنسيق بين الدول المغاربية جماعات المتطرفين، والمنظمات الإرهابية مثل داعش والقاعدة و«أنصار الشريعة» للتغلغُل في الأوساط الشعبية التي تعاني صعوبات معيشية جمة.

 والأخطر من كل ذلك، بروز طموحات قديمة ومُتجدِّدة عند بعض المجموعات من طوارق الصحراء الذين يعملون على الانفصال في جنوب المغرب والجزائر وليبيا، وهؤلاء يستفيدون من الاضطرابات الحاصلة في دولة مالي المجاورة، بحيث أصبح مشروع انفصال إقليم الأزواد وعاصمته تمبكتو الذي يقوده الطوارق؛ قاب قوسين أو أدنى من التحقيق.