جسر السلام: ثوابت كمال جنبلاط الفلسطينية التاريخيّة

د. قصي الحسين

كانت فلسطين والحق الفلسطيني الشغل الشاغل لكمال جنبلاط منذ انفجارها في العام 1947، وتحولها إلى مأساة، بلغت ذروتها في العام 1948، إلى يوم استشهاده في العام 1977. وهو الذي قال بعد تقسيم فلسطين وإعلان دولة إسرائيل على منابر الأمم المتحدة، بالفم الملآن: “لقد أصبحنا نخجل أن نرفع رؤوسنا وأعيننا لننظر إلى أوروبي أو أميركي، أو لنواجه إخواننا في بعض دول آسيا، وأفريقيا، إلى أي درك من المذلة يمكننا أن ننحدر أكثر مما انحدرنا إليه؟ ثم ليعود وينفجر ويقول مسمعاً العامل أجمع: “لشعب فلسطين الحق في الوجود القائم على العدل والكرامة”.

منذ ذلك التاريخ المذل والمهين للشعوب العربيّة والإسلامية وللشعوب الحرة في العالم والمتحررة من الاستعمار في ذلك الوقت، أخذ كمال جنبلاط في تأسيس العمل السياسي على ثوابت لم يحد عنها طوال كل تاريخه، انطلاقاً من وحدة المصير مع الشعب الفلسطيني وقضيته المشرفة في التحرر من الاحتلال وإعادة الوطن السليب والتضامن مع قضاياه العادلة. فكان يعمل ليله ونهاره على مواجهة الأعداء الإسرائيليين الغاصبين على كل المنابر في لبنان والعالم.

وبولادة الثورة الفلسطينية، كان تحوله الرائع للإلتحام مع ثوارها، ومع المقاومة السياسية والمدنية والعسكرية الّتي أولدتها، فنادى في الحركة الوطنية وفي الحزب التقدمي الاشتراكي، بضرورة تعزيز الإدراك المشترك، بأن الثورة الفلسطينية، ليست، ولا يمكن أن تكون قضية الشعب الفلسطيني وحده، بل هي، ويجب أن تكون جزءاً لا يتجزأ من حركة النضال العربيّ واللبناني، ومن حركة التحرر في الأوطان العربيّة وفي العالم.

وكان ينادي على جميع الحكام في لبنان والخارج فيقول: “يخطئ هؤلاء الحكام، إذا واجهوا إسرائيل بغير منطق العنف وتأثير المال، وغلبة التقنية والاقتصاد والحذر الدائم والقوة المستمرة. وقال للجميع، دون مواربة أو خجل أو خوف أو مساومة: “إن شعارنا دائماً: ديمقراطية منظمة ومسؤولة لا ديكتاتورية ولا فوضى”.

وعندما وقع الاشتباك الفلسطيني – الأردني في أيلول العام 1970، صدرت جريدة الأنباء بتاريخ 26/9/1970 افتتاحيتها الّتي كتب فيها: “أمّا وقد حصل ما حصل، فإننا لا نكاد نصدق أعيننا وآذاننا بأن العرب، يفعلون بأنفسهم ما يفعلون. إن الصهيونية تضحك ضحكتها الواسعة، وهي تقف أمام أحداث الأردن، وأمام التناقضات العربيّة، وتقول للعالم: هؤلاء هم العرب، أشتات لا يتفقون على شيء”.

كانت نصرة القضية الفلسطينية، معيار التقدم أو الانحطاط عند كمال جنبلاط. وهو الذي خاطب النواب والحكومة في المجلس النيابي العام 1973 فقال: “لشعب فلسطين الحق في الوجود المبني على العدل والكرامة. لم يتفوه أحد باسم الكرامة عندما امتهنا نحن كرامة الإنسان، بذلك العدوان الطائش على مخيمات الفلسطينيين.. وتابع يقول: اللاجئ له وضع دولي، لا يضرب بالطائرات ولا بالمدافع ولا بسواهما من الأسلحة. ونحن امتهنا كرامة الإنسان في أعز ما يتمثل به الإنسان”.

وتحت عنوان “خطأ التشوف” قال كمال جنبلاط: “يخطئ بعض الحكام في تصورهم، أن إسرائيل – وهي وجه لوجوه “الوحش” من جيل إلى جيل في كينونة المادّة والجاه والمجد، يخطئ هؤلاء الحكام إذا واجهوا إسرائيل بغير منطق العنف والمال. ويخطئ العرب أيضاً إذا انتظروا الفرج والسلام من “الوحش” الآخر الأميركي، المرتكز إلى سياسة غلبة العنف والمال. فهو أيضاً لا يفهم لغة الأخلاق والعمل والإنسانية” (الأنباء: 23/11/ 1973).

وظهرت الثوابت القومية والفلسطينية عند كمال جنبلاط أكثر ما ظهرت تجاه القضية الفلسطينية، عندما أصدر بيانه التاريخي في 12/4/1974، والذي أعلن فيه بالصوت المدوي، حيث تحدث فيه، عما يجب أن يكون عليه الموقف العربيّ من حالة اللاسلم واللاحرب، وحيث يكون الموقف من القضية الفلسطينية فوق كل اعتبار.

كان كمال جنبلاط على الدوام نصيراً تاريخياً للقضية الفلسطينية وعلى المنابر، ونصيراً تاريخياً أخوياً للمقاومة الفلسطينية في جميع الساحات والمحافل، وكان دمه الذي سال على أرض الشهادة في 16 آذار 1977، قد روى تاريخه الأمجد في النضال إلى جانب فلسطين أرضاً وشعباً ومؤسسات. فجاء الزعيم الوطني وليد جنبلاط، فجعل من دم المختارة، حبراً لرسالة المختارة إلى جميع الجهات في الوقوف المشرف حتّى الشهادة لنصرة فلسطين والدفاع عن حقوقهم المسلوبة في الوطن المحتل وفي مهاجر الشتات.

واليوم، أكثر من أيّ يوم مضى من التاريخ النضالي الواحد بين الحزب الاشتراكي والشعب الفلسطيني ومؤسساته المنبثقة عن إرادته، يمضي وليد جنبلاط في شدّ الكوفية الفلسطينية على عنقه وعلى عنق النائب تيمور جنبلاط، وعلى عنق أنجاله وأهل بيته كافة وعلى عنق وزرائه ونوابه ورفاقه ومحبيه ومؤيديه في لبنان والعالم، ليقول بالفم الملآن لا لصفقة القرن بين ترامب ونتنياهو، مهما كان الوعيد والتهديد. ولا لتجويع الشعب الفلسطيني وحرمانه من حقه في المدرسة والطبابة والدواء فالشعب هو الشعب والعهد هو العهد، والرهان على القتلة والمجرمين والجائرين والمبطلين والمترددين والخائفين في لبنان أو في أيّ مكان كان، إنما هو رهان خاسر، لأن التاريخ سوف لن يرحم الظالمين الّذين باعوا المسيح قبل طلوع الفجر بثلاثين من الفضة. وأن جسر السلام لا يكون إلاّ بالنضال، لا بالذل والارتهان كما في وصية كمال جنبلاط التاريخيّة لنا جميعاً.

 

(*) كلمة ألقيت في الموقف التضامني لنصرة الشعب الفلسطيني ونصرة القدس أمام مبنى الصليب الأحمر بطرابلس 27/9/2018.

 

اقرأ أيضاً بقلم د. قصي الحسين

جميل ملاعب والقدس: تأبيد الرؤيويات البصرية

القتل السري عن كمال جنبلاط والقتل السياسي

حين السياسة بمفعول رجعي

ترامب والتربح من الصفقات

عن النظام يأكل أبناءه الفوعة وكفريا نموذجاً

مصطفى فروخ وطريقه إلى الفن

 الرئيس القوي

 د. حسين كنعان وأركيولوجيا القيافة والثقافة والسياسة

 ضياء تلك الأيام

 عن كمال جنبلاط والفرح بالعمل

 تتجير السلطة

تيمور جنبلاط بصحبة والده في السعودية زيارة تاريخية إحيائية

 كوفية تيمور ومليونية القدس وجه آخر للاضطهاد والإحتلال

تجديد “نسب الخيل لابن الكلبي” ونسخ لمخطوطاته التراثية الثلاث

عاميات عبد الحميد بعلبكي في “حديث الشيخوخة”

شفق المختارة

 الانتخابات النيابية والحجج السيئة

 تبني الديمقراطية

د. طلال مجذوب مؤرخاً: كرنولوجيا جمعية المقاصد في صيدا نموذجاً

 عن عشرة أيام هزت إيران