التاريخ لا يرحم… يجب إعادة كتابته

محمود الاحمدية

أتمنى أن نعيد كتابة تاريخنا على أساس جديد، وهو أن التاريخ هو تاريخ هذه الشعوب لا تاريخ الذين حكموها… إن الذين يكتبون التاريخ اعتادوا أن ينسبوا كل المفاخر إلى بضعة رجال وأن ينسبوا كل المساوئ إلى عشرات الملايين، وهذا غير حقيقي. قد لا يكون كل الشعب العربي أبطالاً، ولكن المؤكد أن البطل هو الشعب. نعم إن ثلاثين فارساً بقيادة عبد العزيز بن سعود حرروا الجزيرة العربية، ولكنهم كانوا في الواقع طليعة الشعب السعودي كله. هم رأس الحربة التي تبعها الشعب كله. وإن لم يكن الشعب السعودي في تلك الأيام في مستوى هذه البطولة لما استطاع عبد العزيز بن سعود أن يصنع كل هذه الأمجاد.

فالشعوب هي التي تصنع الأبطال، وليس صحيحاً أن الأبطال هم الذين يخلقون الشعوب. كان سعد زغلول يقول إنه كان يستمد كل قوته من الشعب، فإذا هبَّ الشعب المصري واقفاً على قدميه أحسَّ أنه أقوى ألف مرة مما هو، وإذا تخاذل الشعب وتهادى أحسّ أنه أضعف ألف مرة مما هو…

وفي أحيان كثيرة ننسى أن ثورة سلطان باشا الأطرش لم تحن رأسها عندما انهالت عليها قنابل الجيش الفرنسي، ولكن سلطان كان أقوى ألف مرة بشعبه الذي سطر للتاريخ أشرف وأنقى وأقوى ثورة عربية معاصرة أجبرت الجنرال ديغول الاعتراف بها… كانت ثورة شعب…

ولا يمكن أن ننسى أن نتناسى أو أن نجلد أنفسنا كثيراً كشعب عربي أنه لم يحدث في أي منطقة من العالم وعلى مستوى القارات الخمس، أن وقع فيها ثورات بهذا العدد الضخم الذي حدث في بلادنا… ثورة المهدي في السودان، ثورة سعد زغلول في مصر، ثورة سلطان في سوريا، ثورة الأمير عبد الكريم في مراكش، ثورة عرابي وثورة ضباط مصر الأحرار وجمال عبد الناصر في مصر وثورة المليون شهيد في الجزائر وثورة عمر المختار في ليبيا وثورة الحبيب بورقيبة في تونس وثورة رشيد علي الكيلاني وثورة 14 تموز في العراق وعشرات غيرها من الثورات… وآخرها وهي التي هزت مشاعر العالم أجمع ثورات الربيع في تونس ومصر وقد أطلق أهم صحافيي العصر أن ثورتي الربيع في تونس ومصر تعتبران بالرغم من كل السقطات في تحقيق أهدافهما أهم ثورتين شعبيتين في تاريخ العالم كله لأنهما كانتا من صنع الشعب الذي انفجر في الشوارع والأزقة وقاوم وقاتل حتى أسقط الحكام… أما ثورة سوريا فألف سؤال وسؤال تطرح ولنا فيها حديث آخر وما يزال التاريخ يكتب بدماء أبنائه…

لِنَتَّفِقُ بالرغم من كل التحفظات والانكسارات أن الذين قاموا بكل هذه الثورات لا يمكن أن يكونوا عبيداً، ولا يقبلون أن يكونوا عبيداً، السلاسل لا تقيدهم، والمشانق لا تؤدبهم وقطع الرؤوس لا يخيفهم ولهذا فهم وأقولها بكل جوارحي، أحق الشعب بالحرية، كل المحاولات التي بذلت على مدى التاريخ لإذلالهم لم تنجح في تنكيس رؤوسهم ولا في إحناء ظهورهم ولا في تكميم أفواههم.

هذه الشعوب تستحق دراسة خاصة، فقد ضربت أمثلة في الصمود والتضحية والفداء وقاومت قوى جبارة وإمبراطوريات ضخمة وطغاة جبابرة وما تراجعت إلا لتهاجم وما استكانت إلا لتنتفض وما صمتت إلا لتزأر من جديد!

مقالتي للأجيال الحالية والآتية بكل تواضع… شعب كهذا لن يموت… وألتقي مع الرئيس عبد الناصر: إِرْفَعْ رأسك يا أخي.

(الأنباء)

اقرأ أيضاً بقلم محمود الاحمدية

ما هو دوري كوزير جديد؟

مشروع كمّ الأفواه تدمير للبنان الرسالة

الجامعتان اليسوعية والأميركية تنسحبان: التعليم العالي في خطر

السويداء في عين العاصفة

تقريران رسميان متناقضان عن تلوث بحر لبنان

في ذكراها الـ 74 اسمهان: قصصٌ خالدة

طبيعة بلا حدود ربع قرن من النضال البيئي

فريد الأطرش وشوبرت والفن العالمي الخالد

يوم البيئة العالمي: التغلب على تلويث البلاستيك

قطعة الماس في جبل من الزجاج

مسيرة منتدى أصدقاء فريد الأطرش تشع في دار الأوبرا في القاهرة

السفير المطرود ظلماً وقهراً

هادي أبو الحسن… لمسة وفاء

طبق الفول المدمّس وثقافة الكذب

المناصب راحلة… أما المبدعون فباقون في ذاكرة شعوبهم

القانون المسخ والنفاق المدمّر

في ذكرى استشهاده: المعلم قامة فكرية تسكن الزمان والمكان

ما قبل الانتخابات… بعيداً عن دموع المواطن

العقل وروح الحريّة وفيلم “The Post”

الهمجية الصهيونية والتدمير الممنهج لبيئة فلسطين