أعيدوا الاعتبار لـ “الطائف”!

رامي الريّس

مسألة الخلاف مع العهد ليست مسألة شخصية، بل هي موقف سياسي ينطلق من معطيات وحقائق، من أرقام ومؤشرات، وأخيراً من تجارب وإستنتاجات!

نُقل عن رئيس الجمهورية أن المتضررين من الاصلاح يعرقلون تأليف الحكومة، وأقل ما يُقال في هذا التصريح أنه لا يمت إلى الواقع بصلة، فلا الاصلاح انطلق، ولا من يعرقل بعيد عن العهد، لا بل هو في صميمه وخرج من رحمه.

ولعله من المفيد أن يُسأل الرئيس عن الملفات التي انطلق فيها الإصلاح حقاً: في الكهرباء أم النفط، في مكافحة الفساد أم الإدارة العامة، في البيئة والنفايات أم في السير والطرقات؟ هل زاد منسوب الحريات العامة في البلاد أم تقلص نتيجة الاستدعاءات العشوائية ضد من يعبّرون عن آرائهم؟

الكهرباء إمتصت على مدى سنوات ما مجموعه 35 مليار دولار، أي ما نسبته نحو 46 بالمئة، وتيار الرئيس الذي تولى وزارة الطاقة والمياه منذ نحو عشر سنوات مسؤول عما لا يقل عن نصف هذا الرقم إن لم يكن أكثر.

أحد نواب تكتل رئيس الجمهورية أعلن بصراحة تامة أن إصلاح القطاع الكهربائي يمكن أن يُنفذ خلال ستة أشهر بكلفة أقل بكثير مما يُحكى عنه لبنانياً! وبهذا يكون قد “شهد شاهد من أهله!”.

أين هو الملف الإصلاحي الذي فُتح في البلد منذ انتخاب الرئيس عون في تشرين الأول 2016؟ من أحيل إلى القضاء؟ هل تستطيع وزارة العدل أن تهتم بهذه الملفات بدلاً من أن تستولد دراسات مغلفة بالمواد القانونية ولكنها تعاني من الاحتباس الدستوري؟ وهل يجوز أن يصبح الدستور مطيّة للأهواء السياسية والمصالح المختلفة نستدعيه حين نريد وكيفما نشاء؟

 

أما الطامة الكبرى، فتلك المتصلة باتفاق الطائف. مشكلة الرئيس مع هذا الاتفاق قديمة، لا بل تاريخية! رفضه لسنوات نازعاً الشرعية عن الرؤساء الذين انتخبهم مجلس النواب الذي قام بحله دون أن يملك الصلاحية للقيام بذلك، ثم قبل به. لم يفسّر للرأي العام الذي أيده على رفض الاتفاق كيف قبل به، ولماذا ولأي أسباب؟

والأمر تكرّر قبيل الانتخاب. المجلس النيابي غير شرعي، وتمديد ولايته لم يكن مقبولاً، ولكن هو المجلس عينه الذي انتخبه للرئاسة الأولى، وأقسم اليمين أمام أعضائه والقى فيهم خطاب القسم فصار رئيساً شرعياً منتخباً من مجلس نيابي شرعي…

أحد نواب “العهد القوي” فاخر بأن رئيس الجمهورية عدّل “الطائف” بالممارسة، وآخر قال في ندوة حوارية تلفزيونية أن “الرئيس القوي يخبط يده على الطاولة ويضع حداً للأمور”، قبل أن يُلجم من محاوره أن الرئيس القوي هو الذي يقف على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين ويحمي صيغة العيش المشترك ويحفظ التوازنات التاريخية التي لا يمكن إعتبار المس بها بمثابة “نزهة”!

الرئيس القوي هو الذي يلتزم بالدستور ويؤكد على موقعه فوق كل القوانين، وهو الذي يحترم نتائج الانتخابات النيابية رغم قانونها السيئ، وهو الذي لا يرضى أن يتوّج مسيرته السياسية بأن يفوّض دوره إلى سواه ممن يسيئون إلى موقعه وإلى البلد.

إعادة الاعتبار للطائف ليس خياراً، بل هو ممر حتمي لحماية الاستقرار. لقد آن الأوان لدفع الأمور نحو حقبة جديدة من الإصلاح من خلال تطبيق ما لم يتم تطبيقه من الاتفاق، لا سيما في الشق الاصلاحي كانتخاب مجلس نواب خارج القيد الطائفي وإنشاء مجلس الشيوخ.
قليل من دروس التاريخ تنعش عقل الإنسان!

——————————

(*) رئيس تحرير جريدة “الأنباء” الالكترونيّة

Facebook: Rami Rayess II

Twitter: @RamiRayess

اقرأ أيضاً بقلم رامي الريّس

الإعلام والقضاء والديمقراطية!

وفروا مغامراتكم المجربة… واقرأوا!

عن “الأقوياء في طوائفهم!”

ما بعد الإنتخابات النيابية!

لمن سأقترع في السادس من أيّار؟

إنه السادس من أيار!

لائحة المصالحة: قراءة هادئة للعناوين والتطلعات

لا، ليست إنتخابات عادية!

عن تجاوز الطائف والأكلاف الباهظة!

الشعب الإيراني يريد النأي بالنفس!

الإصلاح ثم الإصلاح ثم الإصلاح!

للتريث في قراءة مفاعيل التريث!

كيف ستنطلق السنة الثانية من العهد؟

تغيير مفهوم الإصلاح!

“حبيبتي الدولة”!

من حقّ الناس أن تتعب!

عن كمال جنبلاط الرؤيوي: سنواصل مسيرة النضال…

خمسون عاماً على “النكسة”: وكم من نكسات توالت!

عن الديمقراطية في فرنسا والميثاقية في لبنان!

لا، الدستور ليس وجهة نظر!